داعش : واقع مفروض أم صدمة طارئة ؟

كاظم الواسطي *

لقد عملت أنظمة الإستبداد في المنطقة على جعل القسم الأكبر من بنى المجتمع الثقافية والنفسيّة في حالةٍ من الضمور والتخفيّ تحت سطح قمعها الساخن. وكانت هذه البنى تتمو وتتناسل في ما يشبه السبات القسري، حيث تتغذى على ما يرشح من سخونة ذلك السطح من أشباح خوفٍ وموت. وهناك، تبني صومعة صمتها في أجسادٍ منهكة، بأساليب الترويض اليومي، بقيت الحضن الآمن لغضبها المؤجل، وإحتجاجها الدفين. إن التعارضات الحادة بين الشكل العلني المهادن، زيفاً ونفاقاً، وبين ما يعتمل في أعماق النفس من نوازع رفضٍ وممانعة مكبوتة، يخلق أنواعاً من الإضطهاد القهري والصدوع العميقة في بناء الشخصية الاجتماعية السويّة.

وفي ظل التطورات الفائقة التي تشهدها تكنلوجيا الإتصال ووسائل التواصل الاجتماعي، استطاع بعض الشبّان الرافضين لواقع الإستبداد في مجتمعاتهم من كسر صومعة الصمت، ومّد خطوط الشبكة العنكبوتية إلى مكامن السبات المحتقنة بغضب أعوامٍ طويلة، كانت خريفاً لكل الأعمار الضائعة في جحيم الدكتاتوريات.

وكان لتحريضهم العابر فوق أسوار قلاع المستبديّن، والمخترق لجدران أمنهم الجغرافي والسياسي دور الشرارة في الهشيم. فكانت التعبئة الجماهيرية وداينمو حراكها الشبابي، غير المسيطر عليه بوسائل الأمن التقليديّة، مثالاً صادماً للمؤسسات القمعية، وكلاب حراسة تلك الأنظمة.

 كان “ربيعاً” لأرواحٍ أقامت طويلاً في قيعان العوالم السفلى من الحياة، أتاح لها فرصة الظهورعلى السطح بصدورٍ عارية لا تخشى الرصاص في جوّ الحشد الصاخب، وصارت الساحات والشوارع مقر سكناها الجديد. وحين ترك صانعو الزلزال البشري عالمهم الافترضي لينضموا إلى حشوده الهادرة، كانوا أقليّة فاعلة في محطاتها الأولى، وكانت لهم برامج جريئة في الحرية والثقافة وبناء أسسٍ جديدة للحياة، تجلّت شعراً ومسرحاً ونغماً جميلاً في الهواء الطلق.

 تحسسّت لوامس ضباع السياسة ودعاة السلفية مكامن الخطر على وجودها ومصالحها في نبرات التغيير الصادحة في الفضاء، فاعادت ترتيب أوراقها وأقامت ورشاً مشتركة، إقليمياً ودولياً، لتصنيع الأقنعة الملائمة لدخول الحشد، والصعود على موجته المنفلتة خارج شواطئ السياسات المؤدلجة ورموزها القابعين في غرف الدسائس السريّة. فتلفعّت أفاعي “الأخوان” جلباب الانتخاب الفضفاض، ودغدغت مشاعر الجهل في النفوس الضالة على تخوم الأوهام ومواضع الإستعباد، وهي كثيرة في جهنم الاستبداد الواسع. فأعاد التسّلط دورته بلونٍ آخر في مصر وفي تونس، لكنّ تماسكاً مجتمعياً في عمق البلدين ضيّع فرصة الانقضاض على الأمل فيهما، فأزيحا بحسن تدبيرٍ شعبي، وحكمة البعض في تغيير مسار الأحداث.

 لكنّ أخواتها الأخرى، من أفاعي “القاعدة” ونابها الأكثر سميّة “داعش”، التي تشرب من مياه البئر المسمّومة ذاتها، فهمت الدرس جيداّ فتلفعّت بجلباب الطائفية الضيّق في مجتمعاتٍ لها إرث في الفرقة والإنقسام وتعدّد الطوائف. وأطلقت سموم أفكارها في العقول الهشّة من المجتمع، وأشعلت حرائقها في بلدانٍ جعلتها نظم الإستبداد المنهارة في مهّب الفوضى، والتمزّق المجتمعي، وحيث غياب القوى الديمقراطية الحقيقية التي كان عليها العمل على توجيه بوصلة التغيير باتجاهها الصحيح، والتحكّم بمسار الأحداث ضمن برامج واضحة تواكب مستجدّات ومتغيّرات تلك الأحداث باساليب مبدعة ومبتكرة. وتجربة “القاعدة” ووجهها الأكثر قبحاً “داعش” في العراق تُعد أنموذجاً لما يؤول إليه المجتمع المحتقن بالانقسام من تداعيات وانكسارات عندما تستهدفه قوة تشتغل في وسط هذا الإحتقان وتوظفه لمصالحها ومآربها الخبيثة.

 إن “داعش” ليس معجزة في القوة والتنظيم المتماسك، مثلما يتم تصويرها والترويج لممارساتها الإجرامية من بعض وسائل الإعلام المضللة والشخصيات الداعمة لثقافة الكراهية والظلام، بل هي مجموعة عصابات نمت وترعرت في هشاشة العملية السياسية التي إعتمدت المحاصصة وكسب الغنائم بين قوى ضيّعت الوطن وهمّشت المواطن من أجل مصالح أحزابها وكتلها السياسية المتصارعة باسم الطائفية والمذهب، حيث اللعب ممكناً على مشاعر الناس وإدعاء تمثيلهم بين هذا الطرف او ذاك. وكان اللاعبون يخدعون بعضهم بأوراقٍ مغشوشة تُرمى على طاولة الانتخاب، عندما أرادوا لها ان تكون مفتوحة على ورشٍ لتصنيع قطعانٍ بشريّة متصارعة، يرسمون لها صور النزاع بحبر رعاةٍ لا يريدون، وهم الرحّل، الإنتماء لمكانٍ أسمه وطن. كيف لا تنتعش عصابات داعش وبعض الجماعات الخارجة على قانونٍ لم تكن له هيبةً في فرض سلطة العدالة، وتصبح قوة مؤثرة على الأرض، بل وتحتل ثلث مساحة العراق بزمنٍ قياسي صادم، وهناك قوى فككت المنظومة القيميّة والأخلاقية للمجتمع بالفساد الشامل والمستدام، ومزّقت نسيج وحدته بالنزاع السياسي المستمر، وجعلت ثقافته منزوعة الوطنية في إهاب أشكالٍ من الوهم ناقصة الأهليّة، ومحطمّة للعقل، في ظرفٍ معقّد يحتاج إلى الكثير من الحكمة وتعلّم الدرس.

 لقد حوّل ساسة المحاصصة، اللاهثون وراء الغنائم، الشعب العراقي إلى طوائف وإثنيات تعتمد تمثيلهم الزائف، وتسلّم مصائرها إلى أياديهم التي لا تتسع لنهبها ثروات البلاد، ولا يرتجف لها أصبع على ما يعانيه أبناؤها من كوارث ودمار. أن غفلة الشعوب أخطر من جرائم الساسة حيث أن الأخيرة تزداد وحشيةً كلما تعمقّت الغفلة في العقول، وأسرت في متاهاتها النفوس. وتكون الشعوب المستغفلة وسطاً منتجاً لمن يجعلها رهينة خانعة، وضحية دائمة.

 قد نتوقف كثيراً أو قليلاً مع القائلين بأن “داعش” صناعة أميركية اسهمت بعض القوى الأقليمية في نشر وبائها على مساحات واسعة في منطقتنا. وهي جزء من استراتيجية خفيّة يراد بها خلط أوراق عديدة لتحقيق أهداف جيو – بوليتيكية بعيدة المدى. لنفترض أن ذلك هو حقيقة وجود هذا التنظيم الإرهابي كحلقة ضمن شبكة مصالح دولية وإقليمية – سيكون لما حدث من قتل لصحفيي “شارلي إبدو” تأثيراته على حسابات وقراءات تلك المصالح المتشابكة – لكن اعلانه، من دون مواربة،عن مشروعه السلفي التدميري، وعدم التمويّه على دعاواه الظلامية المناوئة لمبادئ الثقافة الانسانية، ونشاطه العلني في ممارسة أبشع عمليات القتل والترويّع ضد المواطنين من شتى القوميات والأديان والمذاهب، برغم إدعائه بأنه يمثّل طائفة معيّنة أراد ان يجعل من بعض أبنائها حاضنة آمنة، وأدوات طيّعة لتنفيذ جرائمه، تبيّن فيما بعد مستوى خداعه وتضليله حين قام بذبح الكثير من أبناء هذه الطائفة ممن لم يرتضوا لأنفسهم ان تكون ذليلة تحت تسلطه الهمجي، يجعل، إعلانه السلفي المتطرف ومشروعه التدميري ومناوأته للثقافة الإنسانية، مفضوحاً أمام الرأي العام، مما يسّهل عملية مواجهته من قوى سياسية حقيقية واضحة البرامج، ولها استراتيجيات في العمل الوطني والاجتماعي والثقافي متجذرّة في القاعدة الشعبية، وتمتلك أدوات فاعلة في تجفيف منابعه، وكشف مضار فكره الظلامي عبر ترسيخ مبادئ الثقافية التنويرية، والعمل على تحقيق مفهوم الوطن للجميع، والمواطنة حقٌ يتساوى فيه كل المواطنين.

 وبغياب مثل هذه القوى، واستمرار النزاع على الغنائم والنفوذ بين أطراف العملية السياسية الحالية وانعكاساتها في تعميّق الإنقسام المجتمعي، وإضعاف حس الإنتماء للوطن في ذات المواطن، مما يخلق للفساد وتوأمه الارهابي واقعاً مفروضاً في فجوات حياتنا. وفي هذه الفجوات ستكون ” داعش” مفقساً خصباً لدواعش أخرى تترتب مسمياتها وأفعالها على ضوء مصالح دول ومؤسسات تنشط أدواتها في هشاشة عقولنا، وفقدان الامل في نفوسنا… فهل هناك من يجعلنا نأمل بخطواتٍ شجاعة قادمة تكون بها “داعش” مجرّد صدمةٍ طارئة ؟

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة