التعليم والارهاب

ليس من قبيل المصادفة ان تتصدر بلدان مثل نيجيريا (وابتكارها الوطني بوكو حرام)، والباكستان (القاعدة وطالبان) قائمة البلدان التي لا يلتحق اطفالها بالمدارس، طبقاً للتقارير الدولية، وان تكون بؤراً اساسية وحقولاً لانتاج وتصدير الارهاب للعالم. فالعلاقة بين مستوى التعليم ونوعه وظاهرة انتشار الفكر التكفيري وجماعات الارهاب والاجرام المنظم، أصبحت حقيقة واقعة بعد سيل من المعطيات والاحداث البشعة التي عرفها العالم في الاعوام الاخيرة. ان نقص التعليم و تفريغه من محتواه ومضامينه الطبيعية وحمولاته المناصرة لازدهار المجتمعات البشرية وتعزيز امنها واستقرارها، يشكل اليوم الاساس الذي تستند اليه هذه العقائد والجماعات والمنظومات القيمية الصدئة، والتي مهدت لظهور هذه المناخات الشاذة في العلاقات الدولية والاقليمية والمحلية.
في الوقت الذي ارتقت فيه الامم بفعل السياسات الحكيمة لزعاماتها واحزابها السياسية الحديثة، الى الذرى في مستويات التعليم وحقول البحث العلمي والابداع المادي والقيمي، نشاهد على الضفة الاخرى، في مضاربنا المبتلاة بعلوم متخصصة بلعن الآخر وشيطنته (كما في الاكاديميات الباكستانية والنيجيرية والمضارب المتجحفلة معها بهموم وعلوم وتمويل..) ترفد مجتمعاتها وبلدانها ولا تستثني الدول المضيفة لرعاياها؛ من آخر ابتكاراتها في مجال العبوات الناسفة والدواب الملغمة، وغير ذلك من سلع ايمان عصر النفط الذي بدأت علامات افوله تتسارع في الأشهر الأخيرة.
وفي وطننا المنكوب باربعة عقود من هيمنة (حثالات الريف واوباش المدن) وسلسلة الحروب الداخلية والخارجية واطول حصار ظالم عرفته المنطقة في تاريخها الحديث، انحط حقل التعليم بكل مراحله الابتدائية والعليا الى مستويات لم تتخيلها أكثر العقول تشاؤماً، بعد ان كان العراق من اكثر البلدان تقدماً في هذا المجال الحيوي (التعليم)، وقد انعكست تلك الحقبة على نوع القيم والثقافات الرائجة آنذاك، والتي تشكل الضد النوعي لما هو سائد حالياً، من قيم وخطابات ومشاريع ما قبل الدولة الحديثة. ما نشاهده اليوم من تشرذم وتمترس على اساس «الهويات القاتلة» لم يكن بمقدوره بسط هيمنته لولا هذا الانحطاط الفظيع في مجال التربية والتعليم ومؤسساتها التي لم تنجح برغم مرور أكثر من عقد على «التغيير» من النهوض مجدداً.
ان البداية الجادة والجذرية لمحاربة الارهاب وتجفيف منابعه، لا يمكن انتظارها الا عبر مشروع ورؤية متكاملة تنطلق من التعليم لتلقي بشحناتها المجربة على بقية الحقول الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وهذا المشروع سيظل معطلاً بوجود مثل هذه القوى والجماعات المهيمنة على المشهد الراهن والمتضامنة مع الاشقاء النيجيريين والباكستانيين بتحريم البوكو والانخراط بكرنفالات التكفير والهجرة وقوافل مهاجري وانصار ما بعد الحداثة..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة