الأخبار العاجلة

ليبيا تمنع دخول العرب الى اراضيها!

صادق الازرقي *

هذا هو الخبر الذي انتشر بسرعة البرق في وسائل الاعلام، وفي تفصيلاته ان وزير الداخلية الليبي في الحكومة المعترف بها دولياً، اصدر قراراً ينص على حظر دخول حاملي الجنسيات السودانية والفلسطينية والسورية إلى الأراضي الليبية، وانه سيجري العمل به في «جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية إلى حين إشعار آخر»، مبينا ان القرار اتخذ «بعد معلومات دقيقة تؤكد مشاركة بعض الوافدين من حاملي هذه الجنسيات ضمن الجماعات الارهابية في بنغازي ومدن غرب ليبيا في أعمال ضد رجال الجيش والشرطة»، كما طلب الوزير من سفارة بلاده في مالطا «عدم منح تأشيرة دخول لحاملي الجنسية المالطية الا بعد الحصول على موافقة أمنية من وزارة الداخلية».
يبدو ان الامور على وشك ان تشهد تغيرات استراتيجية بعد ان ادركت الحكومات العربية، الساعية الى بناء دولها الجديدة، لاسيما فيما يعرف بدول الربيع العربي مخاطر الحركات المسلحة التي يفد فيها الارهابيون من دول عربية الى دول اخرى، فيعملوا فتكاً في ابنائها وبناها التحتية واقتصادها؛ وهذا ما حدث لدينا بالتحديد في العراق منذ اسقاط النظام المباد، بل وقبل ذلك في الحملة الايمانية التي اطلقها رأس النظام السابق صدام حسين، وسمح فيها لمتطرفين من دول عربية، بالمجيء الى العراق، وتكرس ذلك بعد اسقاطه حين بدأ المتطرفون العرب يتوافدون الى العراق فتؤمن لهم بعض الجهات المال والسلاح ، ويشرعون في عمليات قتل عام ذهب ضحيتها عشرات الالاف من العراقيين معظمهم من المدنيين، وكان العراق يحذر مذ ابتدأت عمليات التفجير والقتل، من ان دولاً عربية تسهّل امر وصول المسلحين الى العراق بمنحهم التأشيرات الى مطاراتها، ومن ثم تسهيل دخولهم عن طريق الحدود العراقية المشتركة مع الدول الاخرى، و بصراحة نقول كان معظم الرأي العام العربي يتعاطف مع اعمال المسلحين بحجة مقاومة الاميركان؛ وهو ما كشفت تطورات الاحداث بطلانه.
الملاحظة الملفتة للنظر، انه في الوقت الذي كان يجري التعاطف على نطاق واسع في الدول العربية مع النظام السابق ورئيسه، فانها كانت تمنع العراقيين من السفر اليها حتى بجوازات سفر «رسمية»، وتضع العراقيل امام وصولهم وتنقلهم، الا استثناءات قليلة؛ كما لم تزل تلك السياسة معمولاً بها حتى الآن، اذ ان عدة دول عربية ما زالت تعقّد الامور فيما يتعلق بمنح العراقي تأشيرة الدخول الى اراضيها، برغم ان الوقائع الفعلية لم تثبت ان العراقي يتسبب في أي ضرر على تلك الدول من تواجده فيها، بل ان جل همه البحث عن الامن والاستقرار، وتدبير لقمة العيش، كما ان كثيراً من العراقيين يسافرون لأغراض السياحة، وتواجد العراقيين في مصر أبلغ دليل على ذلك.
ويبدو ان دولاً عربية عدة باتت تدرك وان على استحياء ان العراقيين ـ بأغلبيتهم طبعاً ـ لا يشكلون مصدر خطر عليها وانما الخطر الداهم يأتيهم من جنسيات عربية اخرى، عانى العراق بدوره من كثير منهم، حين وفدوا اليه وبدأوا في التخطيط والتنفيذ لعمليات عنف ضد السكان العراقيين في أي مكان تطوله ايديهم ومفخخاتهم. ان قرار ليبيا بمنع العرب من الجنسيات التي ذكرت في بيان وزارة الداخلية الليبية، يمثل تحولاً مهما على صعيد التفكير السياسي والاقتصادي في الدول العربية المعنية، لاسيما تلك التي تسعى لبناء أنظمتها على اسس الديمقراطية والتحضر، وفي ليبيا يتوافد الارهابيون لدعم الميليشيات التي استولت على بعض المناطق، ووجهت ضربات الى ثروات الشعب الليبي ومنها اضرام النار في خزانات النفط بعد ان استهدفتها ما تسمى بقوات فجر ليبيا، وهي ميليشيات من الليبيين وجنسيات عربية يدعمها تنظيم الاخوان المسلمين للسيطرة على ليبيا وبناء «دولتهم» الاسلامية.
ومثلما يضم تنظيم «داعش» في العراق، اعداداً كبيرة من جنسيات عربية، فان المتطرفين العرب باتوا يتوافدون على أي بلد يسعى لاستقراره وبناء حياته، كي تعمل فيه معاولهم الهدامة، بل انهم باتوا يتحركون في دول اوروبية كانت قد وفرت لهم العيش الرغيد ومنحتهم امتيازات يحلم بها أي انسان؛ فغادروها ليلتحقوا بركب المسلحين وهو ما الب الرأي العام الاوروبي ضدهم، فهاجم سويديون غاضبون مساجد للمسلمين واحرقوا بعضها، وطالبوا بطردهم، كما شهدت المانيا انطلاق تظاهرات شارك في احداها في مدينة درسدن 15 ألف شخص ضد «طالبي اللجوء المجرمين» و ضد «أسلمة» البلاد بحسب الشعارات المرفوعة، وطلبوا طرد اللاجئين اليهم والمتواجدين عندهم وكذلك حدث الامر في فرنسا وفي دول اخرى.
وبالطبع فان الحكومات الاوروبية ستتخذ اجراءات تنسجم مع تلك التوجهات، فيما لو رأت انها تحولت الى رأي عام، وهو ما بدأت بوادره، في التضييق على عمليات اللجوء في بريطانيا واستراليا والسويد، وغيرها، اذ اصبحوا يضعون شروطاً حاسمة امام اللاجئ لقبوله، من بينها الاندماج التام في مجتمعاتهم.
وبرأينا، ان القرار الذي اتخذته ليبيا بمنع بعض الجنسيات العربية من دخول اراضيها، يمثل نقلة نوعية في طبيعة العلاقات بين الدول العربية، وبخاصة بعد التطورات الايجابية في العلاقات بين مصر وليبيا، والعمل بصورة مشتركة لمواجهة تنظيم الاخوان المسلمين والجماعات التكفيرية والارهابية؛ وبالتأكيد فان العراق سيكون حاضراً دوماً على صعيد الترتيبات الجديدة في المنطقة، بأمل خلاصه من الارهاب واعمال القتل التي عانى من شرورها قبل جميع الدول العربية، التي باتت تتخوف من انتقال اخطارها الى اراضيها، ومطلوب منها الآن ان تتعامل بواقعية ازاء قضايا المنطقة، سواء اكان الامر متعلقاً بدعم العراق في التصدي للإرهاب ودحره والامتناع عن دعم المسلحين، او في مجالات تسهيل سفر العراقيين وتنقلهم بين البلدان العربية لأغراض السياحة وغيرها.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة