من جدة الى باريس .. الجريمة واحدة

لم يمر سوى ساعات معدودات على الجريمة التي هزت عاصمة الحرية والانسنة «باريس» وأدت الى اغتيال أبرز رسامي الكاريكاتير ومحرري صحيفة «شارلي ايبدو» الاسبوعية الساخرة، حتى جاءت مفارز الحسبة السعودية بالناشط الليبرالي رائف بدوي لتنفذ فيه الوجبة الاولى من الاحكام الاقرب لقلب داعش (الجلد) وهي خمسون جلدة، على ان تنفذ الوجبات المتبقية في الاسابيع المقبلة (الحكم الف جلدة وعشر سنوات سجن)، وبعد صلاة الجمعة كما قررت هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في البلد الذي تشارك قواته الجوية في التحالف الدولي لمحاربة خطر الارهاب ورأس رمحه العلني (داعش).
ما الذي يمكن فهمه من مثل هذه الطلاسم في المشهد الراهن، خاصة بعد ان قدمت الولايات المتحدة الاميركية (حليف المملكة السعودية الاول) طلباً اليها بعدم اجراء هذا الحكم المناقض لا لحقوق الانسان وحسب بل لحقوق الحيوان في المجتمعات التي وصلت لسن التكليف الحضاري. هذا يعني ان منظومة الحكم الحالية في ما كان يعرف بجزيرة العرب، لم ولن تتخلى عن «الثوابت» التي تجمعها وجماعات الدعشنة الاممية من شتى الرطانات والازياء، وان المؤسسة الدينية فيها تدرك طبيعة الشروط القاهرة التي اجبرت اولي الامر؛ على المشاركة بمثل هذا التحالف ضد الجماعات التي لم يتجرأ الأزهر بجلال قدره من المس، بايمانها وغاياتها النهائية.
هذه الأحداث وغيرها الكثير مما يحصل على تضاريس «خير امة» المنكوبة بكل اشكال الأسلمة والاخونة وأخيراً الدعشنة، تؤكد ما التفت اليه مؤخراً الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عندما أكد حاجة مجتمعاتنا الى «ثورة دينية» تحرر الاسلام من قبضة المخلوقات الاكثر تخلفاً وهمجية المهيمنة عليه حالياً. لا يمكن محاربة داعش بداعش، بل بضدها النوعي والذي لا يمكن امتلاكه من دون الحريات والحقوق وشخصيات حرة مثل رائف بدوي وزملائه المكافحين من أجل الانتصار لذلك الذي حاولت شرائع السماء تكريمه ذات عصر، وكما قال المفكر الايراني ورجل الدين المتنور الشيخ محمد مجتهد شبستري في احدى مقالاته الاخيرة: (الله يريد منا حقوق الانسان). ليختصر لنا الطريق الى الغايات الحقيقية والتي يحاول لصوص وقراصنة السماء، اختطافها وتزييفها، وبالتالي اجبارنا على تسديد مثل هذه الفواتير القاسية ومواجهة مثل هذه المصائر المجهولة.
ان الاخوين كواشي منفذي غزوة باريس، ومفرزة جدة التي اقامت الحد على الناشط السعودي رائف بدوي، لا يمثلان سوى ادوات تستعملها هذه المنظومة من الشبكات العنكبوتية المتخصصة في بث ونشر روح الكراهة والذعر والاحقاد بين عيال الله في عالم لم يعد يطيق مثل هذه الصلافة في الاعتصام بعروة الجريمة دفاعاً عن حدود لله لا يعرفها غير المسكونين بوهم الفرقة المختارة..!
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة