الأخبار العاجلة

لعنة التكفير تطارد المثقفين من جديد

سلام مكي

غير مسموح للعربي أن يستعمل عقله، وإلا عدّ كافراً، زنديقاً، يستحق الموت. سلاح التكفير، الذي تشهره المؤسسة الدينية الرسمية بوجه كل مثقف يتجرأ ويفكر بالخطاب الذي تطرحه للجمهور، لا تتردد لحظة في إشهاره أو التلويح به.
مما جعل قسماً من المثقفين العرب يصمتون إلى الأبد؛ لأن صمتهم بإرادتهم خير لهم من أن يصمتوا بإرادة السلطة.
قديماً كان التكفير يتم عن طريق المؤسستين السياسية والدينية عندما كان رجل الدين حليفاً للحاكم، فشهدت الدولة الاسلامية حالات كثيرة من التكفير، وتنقل لنا كتب التراث الاسلامي كيف ان السلطة كانت تمارس الارهاب ضد المثقفين في ذلك الوقت، بغية الضغط عليهم لتسويق أفكارها ومبادئها، ربما لإيمانها بأن المثقف يمكنه أن يختصر لها المسافات الزمنية في السيطرة على عقول الناس جنباً إلى جنب مع رجل الدين المتحالف معها أصلاً.
فالسلطة صلبت أحمد بن نصر لأنه لم يؤمن بمسألة خلق القرآن في وقت كان عليه أن يؤمن بها؛ لأن السلطة وقتها كانت مؤمنة بذلك.
وفي زمن ليس ببعيد عنه، تم ذبح الجعد بن الدرهم؛ لأنه آمن بقضية خلق القرآن! وغيرهم الكثير ممن قتل على يد رجل السلطة بمباركة رجل الدين.
واليوم وبعد عدة قرون، على زوال الدولة الاسلامية، لم يتغير حال السلطة ورجل الدين إلا من ناحية الزي الرسمي لكليهما، فالعقل هو ذاته لم يتغير.
اذ شهدت الساحة العربية، الحكم بتكفير الكثير من المثقفين العرب، بدعوى انهم تجاوزوا الحدود، وسخروا أما من الذات الإلهية أو من رموز الدين الإسلامي وتحديداً النبي محمد (ص). وكلنا نتذكر تكفير الكاتب المصري فرج فودة بسبب أفكاره وكذلك نصر حامد أبو زيد وصادق جلال العظم، مع اختلاف في نتائج التكفير لكل واحد منهم، حيث وفرت السلطة الدينية غطاءً شرعياً لقاتل فرج فوده حتى من دون الرجوع إلى الحاكم، وأيد رجل الدين الغزالي حادثة القتل عندما شهد بأن فودة كافر ويستحق القتل وفقاً للدين الاسلامي.
اما صادق العظم، فقد حوكم بدعوى السخرية من الذات الإلهية وتم نشر وقائع المحاكمة في ملحق كتابه نقد التفكير الديني.
في حين حكم على نصر حامد أبو زيد بالتفريق بينه وبين زوجته؛ لأنّه عدّ بأنّه أصبح كافراً ولا يجوز للمسلمة أن تقترن بكافر! وغيرها الكثير من الفتاوى التي أهدرت دماء مثقفين لم يرتضوا لأنفسهم أن يكونوا ببغاوات يرددون كلام رجال الدين في مجتمعاتهم من دون تفكير أو نقاش معهم.
اليوم وبعد أن هدأت حدة التكفير للمثقفين في الفترة الأخيرة، تفاجأ الوسط الثقافي العربي بتكفير الروائي الجزائري كمال داوود من قبل حزب ديني متشدد غير مرخص في الجزائر بسبب تصريحات أدلى بها لوسائل إعلام فرنسية تحدث فيها عن قناعاته الشخصية ورؤيته الخاصة عن مجتمعه الجزائري والعربي ورؤيته للدين واللغة.
الفتوى أحيت سنوات التسعينيات التي شهدت كما قلنا تكفير العشرات من المثقفين، وهي بمنزلة إعطاء الضوء الأخضر لقتل داوود من قبل المتطرفين.
وما أن صدرت الفتوى حتى هبت جهات ثقافية ومؤسسات اعلامية للنيل من داوود كتأييد للفتوى ولكن بطريقة غير مباشرة، حيث نشرت وكالة الأخبار الجزائرية تقريراً صحافياً نال من داوود كثيراً ونسب إليه أقوالاً وأفعالاً ليس له علاقة بها، وتحدث عن أمور بعيدة كل البعد عن الفتوى وسببها، اذ تحدث عن روايته الوحيدة “ميرسو.. تحقيق مضاد” وغيرها من المقالات التي كتبها داوود سابقاً. فواضح من عنوان التقرير: “كمال داوود جزائري سخر قلمه لمحاربة الإسلام والعربية”، بأنه يهدف إلى دعم الفتوى التي لم تجد أصداءً حتى لدى الجهات المتطرفة داخل الجزائر، لكون مطلقها لا يملك قاعدة شعبية ولا رسمية، إضافة إلى أن الفتوى لم تكن ذات معنى وان السبب الذي أطلقت من أجله لا يرقى إلى مستوى اصدار فتوى. وكان احتفاء الفرنسيين بروايته وبه شخصياً، سبباً من وجهة نظر التقرير لأن يعدّ داوود عدواً للإسلام والعرب! كذلك كتابته بالفرنسية، جعلته محط اتهام لدى الكثيرين.
وقد رد داوود على هذا الكلام بأنه لو كان هناك اقتصاد قوي في الجزائر، يسمح لي بالعيش من كتاباتي، لكتبت بالعربية.
كذلك ان جلوسه على مقاعد كبار الروائيين الفرنسيين، لم يكن يتحقق له لولا انه كتب بالفرنسية، فهو مدين للفرنسية؛ لأنها اختصرت له مسافات طويلة للوصول الى القمة، إضافة إلى أن العربية لغة عليها وزن المقدس والدين، بعكس الفرنسية، على حد تعبيره.
إذن: داوود مارس حقه في الكتابة باللغة التي تحقق له غايته، وتكلم بما يراه حقيقة من وجهة نظره، ولكن البعض من رجال الدين، من الذين لا يملكون تلك السطوة على المجتمع، يحاولون الرد على قلم داوود وغيره من المثقفين بالفتوى، وهي أقوى وأسهل سلاح يمكن إشهاره بوجه المثقف، فهي بمنزلة التشريع الذي يصدر من البرلمان ويرسل الى الحكومة لتنفيذه، ولا ندري، ربما فتوى رجل الدين الجزائري، قد تنفذ يوماً ما.
للأسف، لم تستطع المؤسسة الدينية العربية على مدار تاريخها، أن تُحدث نفسها، وأن تعتمد على أدوات جديدة يمكنها مجاراة الواقع والتعامل مع القضايا الحساسة والتي تراها من صميم عملها واختصاصها، بأسلوب يتناسب مع التطورات التي يشهدها العالم، إذ أن ردها على الرأي بالفتوى، لم يعد يناسب دورها ووجودها، فعليها إذا أرادت الرد على كاتب مرة أخرى وهو من حقها أن تستعمل الوسائل القانونية والعلمية، أو إنها ترد على الرأي بالرأي، لا بالنار! كما إن على الدولة أن تقوم بواجبها في حماية رعاياها، وأن تقوم بوضع حد لرجالات الدين الذين جعلوا من الفتاوى وسيلة للشهرة وللنيل من الآخر.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة