سدنة الجنون

لم ينتهِ الاسبوع الأول من العام الجديد (2015) حتى تعرضت باريس موطن الحرية، لأحد ابشع الاعتداءات الارهابية، عندما هاجمت مجموعة مسلحة مقر صحيفة «شارلي ايبدو» الاسبوعية الساخرة، وبكل خسة وغدر تم اغتيال 12 شخصاً بينهم الشرطيان المكلفان بحماية المبنى، واصابة عدد مماثل بجروح مختلفة. هذا العمل الهمجي نفذ على اراضي البلد الأكثر ترحيباً بالمسلمين في اوروبا والعالم (فرنسا) ومن قبل فرنسيين من اصول جزائرية هما الاخوان سعيد وشريف كواشي. وبالرغم من خطورة هذا الحدث الاجرامي، وما سوف يتركه من تداعيات واسعة، على الجالية الاسلامية في فرنسا بنحو خاص وبلدان الغرب بنحو عام، الا ان مثل هذه التطورات التراجيدية كانت متوقعة ومخاطر تكرار مثل هذه الجرائم، لم تتقلص بعد غزوة منهاتن عام 2001 ولا بعد قتل رأس تنظيم القاعدة اسامة بن لادن وغيره العشرات من سدنة الكراهة والهمجية والاجرام، من الذين لا يرون في هذا العالم الذي حولته الفتوحات العلمية والقيمة الى قرية كونية سوى؛ فسطاطين أو دارين للاسلام أو الكفر.
حزمة معقدة من الاسباب والشروط اوصلتنا الى ما نحن عليه من انحطاط متعدد الجبهات مادياً وقيمياً، هذه البرك الآسنة والمناخات الحالية ونوع القوى والانظمة والمؤسسات المهيمنة في مضاربنا المنحوسة، ستظل تنضح مثل هذه الانتهاكات الصارخة، وقد برهنت في الاعوام الاخيرة، وخاصة بعد ما اطلق عليه ظلماً اسم (الربيع العربي) عن بأسها وشعبيتها الجارفة، وكل هذا لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تراكم طويل وعمل ممنهج وامدادات هائلة من بركات ممالك الرزق الريعي، والتي لم تكتفِ ببسط هيمنتها على المنابر والمؤسسات التقليدية (المساجد والحسينيات والجمعيات والمؤسسات الخيرية) وحسب بل رفعت راياتها على غالبية ابراج البث المرئي والسمعي وقبل ذلك كانت المنابر الورقية قد بايعتهم قبل الفتح الديمقراطي المبين (الربيع العربي) بأكثر من ربع قرن.
هذه الجريمة البشعة لن تكون الأخيرة، وهي جزء من تاريخ وارث يتواطأ على بقائه واستمراره الكثير من سدنة ونجوم الحقبة الاسلاموية الحالية، والذين تجمعهم وحيتان الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة لتضاريس الكفر والايمان، شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والسياسية، لذلك لن ننتظر مجيء ردود حاسمة وجذرية وحرب حقيقية ضد الهمجية والارهاب، من دون مشروع وتوجه جاد لتفكيك مثل هذه الشبكة الاخطبوطية من المصالح الاقتصادية والايديولوجية المتنافرة ومبادئ الامن والسلام العالميين. ان المواجهة الحقيقية والربيع الحقيقي لهذه المضارب المنسية يبدأ عندما تلتفت الاسرة الدولية الى الخطر المشترك الى حيث منابع الجنون الجمعي والى سدنته المتسترين خلف واجهات الوسطية والاعتدال الزائفة ..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة