التفاوت في الدخل يقوض الديمقراطية

التحدي الرئيس في 2015

بغداد – عبد علي سلمان:

يظل الاقتصاد هو الشغل الشاغل للعالم، ومن المفترض ان يجلب التطور الاقتصادي الاستقرار الاجتماعي معه، لكن الواقع شيء آخر مختلف تماما فتوزيع الدخل ومقدار الخدمات الاجتماعية المقدمة والبطالة وطبيعة الاقتصاد نفسه وعلاقة اقتصاد البلد بالاقتصادات الاخرى تظل هي العوامل الحاسمة التي تلعب الدور الاساس في الاستقرار الاجتماعي.
فلا يكفي ان يحصل بلد ما على موارد مالية عالية لكي يكون مستقرا، وكل واحد منا يعرف كيف كان صدام ينفق موارد العراق ليحوله الى بلد خاوٍ مديون لدول فقيرة مثل جزر القمر، وكذا الحال في السعودية التي لا يمتلك 70 بالمئة من سكانها بيوتا خاصة بهم، على وفق ما اشار اليه تقرير نشرته وكالة الاسيوشيتدبرس العام الماضي. وبالمقابل نشهد دولا مستقرة برغم إنها لاتملك الكثير من الموارد مثل هولندا والدنمارك حيث تعتمد الاولى على تصدير الزهور والحليب لكنها تقدم أرقى الخدمات لمواطنيها. وتعتمد الدنمارك أضافة لصادراتها على نظام ضريبي يصل حتى الى 70 بالمئة على ذوي الدخول العالية لتلبية الاحتياجات الاجتماعية لبقية المواطنين.
ونشر منتدى الاقتصاد العالمي تقريرا مطولا كتبه اساتذة وباحثون عن التوقعات بشأن الاقتصاد العالمي تنشره الصباح الجديد على حلقات لن تكون بالضرورة متسلسلة. وكان المبحث الاول هو « توسع الهوة كثيرا في توزيع الدخل» كتبته أمينة محمد المستشارة الخاصة في الامم المتحدة، قالت فيه: إن عدم المساواة هو واحد من التحديات الرئيسة في عصرنا.
وعدم المساواة في الدخل هو على وجه التحديد أحد الجوانب الأكثر وضوحا من قضية أوسع وأكثر تعقيدا، فهو يستتبع عدم المساواة في الفرص ويمتد إلى الجنس أو العرق أو العوق، وقد احتل المرتبة الثانية في توقعات العام الماضي، لكن خبراءنا يعتقدون انه سيكون اهم السمات في عام 2015، لكونه يؤثر على كل بلدان العالم المتقدمة والنامية على حد سواء. والاشخاص الاكثر فقرا وهم يشكلون نصف سكان العالم لايسيطرون سوى على أقل من 10٪ من ثروته. وهذا هو التحدي الذي على كل العالم مواجهته.
ولئن كان صحيحا أن النمو الاقتصادي في العالم يحث خطاه، لكن ما تزال هناك تحديات عميقة، بما في ذلك الفقر والتدهور البيئي والبطالة المستمرة وعدم الاستقرار السياسي والعنف والصراع. وهذه المشكلات، تنعكس في العديد من أجزاء هذا التقرير، وغالبا ما ترتبط ارتباطا وثيقا بعدم المساواة.
والأخطار الكامنة في تجاهل عدم المساواة واضحة. والناس، وبخاصة الشباب، الذين يتم حرمانهم من المتعارف عليه في الحياة سيستولي عليهم الشعور بالحرمان في نهاية المطاف ويصبحون وقودا سهلا في الصراع. وهذا، بدوره، يقلل من ديمومة النمو الاقتصادي، ويضعف التماسك والأمن الاجتماعي، ويشجع الوصول غير العادل للمشاعات العالمية (مصطلح يطلق على المصادر الطبيعية العالمية مثل أعماق المحيطات والفضاء الخارجي والغلاف الجوي والقطبين الشمالي والجنوبي وربما فضاء الانترنت ايضا- المترجم)، ويقوض الديمقراطيات ، ويشل آمالنا في تحقيق تنمية مستدامة ومجتمعات سلمية.
وعدم المساواة في الدخل هو واحد من التحديات الرئيسية في عصرنا، وعلى وفق مسح قامت به بيو غلوبال اتتيدو عام 2014، في سبع دول في جنوبي الصحراء الافريقية فان 90 بالمئة من الذين شملهم الاستطلاع يعدون الفجوة بين الأغنياء والفقراء مشكلة كبيرة. وفي الولايات المتحدة، كان هناك ما يقرب من 80٪ لهم الرأي نفسه. ويتبادل القادة السياسيون على نحو متزايد هذه المخاوف. ونحن نشهد بالفعل سياسات أفضل في بعض البلدان، مثل رواندا والبرازيل والمكسيك، حيث يجري تقاسم الوصول إلى الموارد على نحو أكثر توازنا، وحيث غيرت التحويلات النقدية السلوكيات وعززت التقدم في حياة الفئات المهمشة.
ولكن القيام بذلك على نطاق أوسع يتطلب مؤسسات وطنية أقوى في العديد من البلدان، وموارد كافية، وقيادة أكثر استجابة، وتطبيق سياسات أفضل. وقد حققت بعض البلدان تقدما في معالجة العوامل الهيكلية لعدم المساواة من خلال مجموعة من السياسات المستندة إلى حقوق تركز على حقوق المساهمين، والمبادرات القانونية والبرامج، التي يتم إتخاذها مع مرور الوقت.
ومن أجل التصدي بفعالية لعدم المساواة، تحتاج البلدان إلى تبني أجندة متكاملة تنظر إلى المشكلة عبر أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، ويشمل ذلك الحصول على التعليم والرعاية الصحية والموارد. والمركزي في هذه الحلول هو سلة من التدخلات التي تعزز المساواة في الحصول على الموارد والخدمات، يرافقها نمو شامل في الوظائف وسبل العيش اللائقة لجميع الناس داخل المجتمع.
ولتعميق اثر الاجراءات فان هناك حاجة لبيانات شفافة، مصنفة، وذات نوعية عالية وتوجيه الاستثمارات والموارد الى حيث تكون هناك حاجة إليها أكثر من غيرها.
ولا يمكن المبالغة بدور قطاع الأعمال في التوجه نحو قدر أكبر من المساواة. وتظهر بيانات مركز بيو إن الناس يميلون إلى الاعتقاد بان الحكومات هي المسؤولة عن فجوة توزيع الثروة – ولكن الحكومات لا يمكن أن تحل المشكلة من تلقاء نفسها. ومعالجة عدم المساواة ليست فقط مسؤولية ولكنها أيضا فرصة. ومعالجة عدم المساواة أمر جيد للأعمال التجارية كما أنه يوفر ديموغرافية جديدة من المستهلكين، وبالتالي توسيع السوق لتحقيق المزيد من الأرباح والخدمات وزيادة فرص الربح، خاصة بالنسبة للنساء. وجهود الحد من عدم المساواة وتحقيق الاندماج هي مسؤولية ذات شأن، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات متضافرة على جميع المستويات، محلية ووطنية، وإقليمية وعالمية.
ونحن جميعا ندرك نقاط الوهن والمخاطر التي تحدد الحياة اليومية في جميع أنحاء العالم. ونحن نعرف ما نحتاج اليه: اقتصادات شاملة يحصل فيها الرجال والنساء على عمل لائق، ومساواة قانونية، وعلى خدمات مالية وبنية تحتية وحماية اجتماعية، ومشاركة الجميع في الحكم. لقد حان الوقت للعمل، من أجل عدم ترك أي واحد في الخلف وان يحظى الجميع بحياة كريمة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة