سادساً: الاحتياطيات العالمية للذهب

لقد تحدثنا عن احتياطيات الدول من الذهب والموجودة في بنوكها المركزية أو في بنوك غيرها من الدول (خصوصاً في بنوك نيويورك ولندن)، ولكن ما هي كمية هذه الاحتياطيات؟!.
إن صندوق النقد الدولي ينشر أرقام احتياطيات الذهب التي تعطى إليه من البنوك المركزية للدول المختلفة. وهذه المعلومات يستعملها “مجلس الذهب العالمي” لنشر تقاريره الدورية الخاصة عنها، وعن احتياطيات الذهب التي لدى الجهات المالية الأخرى، الرسمية منها وغير الرسمية.
إن الكميات المذكورة في الجدول (4) أدناه لاحتياطيات الدول من الذهب، قد تكون موجودة في البنوك المركزية لتلك الدول، أو قد تكون في مكان آخر. والسائد أن البنوك المركزية لا توافق على الإعلان عن مكان تواجد ذهبها، كما أوضحنا في الصفحات السابقة. لذا قد تكون الأرقام الواردة غير دقيقة في قسم منها، ولكن هي ما معلن عنه هو من قبل صندوق النقد الدولي، ومجلس الذهب العالمي، بناءاً على تصريحات البنوك المركزية للدول نفسها. إضافة لذلك يقدر بأن هناك ما يقارب من (1750) طن من السبائك موجودة في بنوك ومؤسسات القطاع الخاص.
إن هذا الجدول مأخوذ من جدول يتضمن اسم (100) دولة مذكورة في مقالة للويكبيديا تحت عنوان: “احتياطي الذهب Gold Reserve”، تقول المقالة إن الأرقام المبينة هي بتاريخ كانون الأول 2013.
يلاحظ القارئ أن هناك عموداً آخر يمثل نسبة الذهب إلى مجموع احتياطيات الفوركس الوطنية national forex. واحتياطيات الفوركس الوطنية تشمل الاحتياطيات الأجنبية التي يمكن التبادل التجاري فيها، والتي جاءت كلمة (forex الفوركس) منها: (Foreign-exchange reserve)، وتتضمن الذهب والاحتياطيات النقدية الأجنبية، والحسابات بالذهب، وعملة صندوق النقد الدولي SDRs، والاحتياطيات الموجودة في صندوق النقد الدولي وغيرها.
يتضمن الجدول رقم (4) الدول العشرين الأعلى لاحتياطيات الذهب في العالم:
والدول في الجدول (5) هي ضمن (100) دولة في جدول الويكيبيديا، ونضع تسلسلها وفق ما جاء في الجدول الأصلي الذي يتضمن (100) دولة، ونذكرها هنا لأهميتها ومقارنتها مع بقية الدول:

عدم دقة وضبابية
من كل الأرقام السابقة، نجد أن هناك عدم دقة وضبابية في الأرقام، فمثلاً الصين لا تزال تعلن عن القيمة نفسها لاحتياطياتها منذ عام 2009، رغم أنها قامت بشراء الذهب (بالإضافة إلى احتفاظها بإنتاجها العالي) لتعزيز عملتها، وذلك في السنوات (2010-2013)، وقيامها ببطء وبصورة غير علنية بالتخلص من احتياطياتها النقدية وعلى رأسها الدولار، سيما وإن الذهب قد انخفض عن سعره الذي وصل إليه في 23/8/2011 والبالغ (1913,5) دولار للأونسة إلى ما يقارب (1300) دولار، وهو سعر يشجع على شراء الذهب لمن يسعى إليه. كما إن احتياطات الذهب لبعض الدول الصاعدة لا تزال منخفضة رغم قيامها بشراء الذهب في السنوات الأربع الماضية، مثل جنوب إفريقيا والبرازيل وإيران (التي لم تدرج في الجدول).
أما فيما يخص العراق، فإن البنك المركزي العراقي كان قد أعلن(19-ق) في 3/4/2014 من أن احتياطياته من الذهب قد بلغت (90) طناً بعد أن كانت (60) طناً، وذلك خلال الشهرين الماضيين، مقارنة بالرقم الموجود في الجدول والبالغ (29,8) طناً إلى نهاية سنة 2013. كما أعلن وزير المالية العراقي وكالة في مؤتمر وزراء المالية العرب، عن عزم العراق على شراء المزيد من الذهب خلال الشهور المقبلة. علماً إن البنك المركزي كان قد أعلن أيضاً في أواخر كانون الثاني 2014 بأنه سيقوم ببيع السبائك الصغيرة للمواطنين لغرض الادخار ولسحب السيولة النقدية من الأسواق العراقية. ولقد اعتبر الاقتصاديون خطوة البنك المركزي هذه بأنها “جيدة ورائدة”، حيث ذكر نائب المحافظ البنك المركزي السابق الدكتور مظهر محمد صالح: “إن خطوة البنك المركزي ببيع المسكوكات الذهبية للمستثمرين وبقية شرائح المجتمع تعتبر رائدة… وإن استيراد البنك المركزي للذهب سيعزز ثقة المواطن بالذهب المستورد”. علماً إن السوق العراقية الحالية تستهك ما يفوق (50) طناً من الذهب سنوياً، وهو رقم قياسي بالنسبة للعراق.
نلاحظ من الجدول (4) أعلاه بأن الولايات المتحدة تملك أكبر احتياطي للذهب، إذ يصل إلى (8133,5) طناً، ومن المفترض أنه مخزن في خزائن داخل البنك المركزي الأميركي (الاحتياطي الفيدرالي)، كذلك في (فورت نوكس Fort Knox)، وهي الخزينة الأميركية لسبائك الذهب US Bullion Depository at Fort Knox. هو أكثر ﺑ(2,4) مرة من ثاني دولة في الاحتياطيات وهي ألمانيا. كما يعادل (3,3) مرة لاحتياطيات صندوق النقد الدولي الذي يحتل المركز الثالث. ويعادل (7,7) احتياطيات الصين وهي سادس دولة على سلم احتياطيات الذهب. ولكن هل فعلاً هو كذلك؟. وهنا نجد أن من المناسب أن نورد القصة التالية التي تم تداولها إثر استقالة رئيس صندوق النقد الدولي من منصبه في أيار 2011.
لقد استقال (دومينيك شتراوس) من رئاسة صندوق النقد الدولي، ومقره في واشنطن، لأسباب سياسية متعلقة بترشيحه من قبل الحزب الاشتراكي الفرنسي لرئاسة فرنسا، كي يكون منافساً قوياً في انتخابات 2011 للرئاسة الفرنسية مقابل (ساركوزي) الرئيس الفرنسي اليميني، والمؤيد بشدة لسياسة الولايات المتحدة، والموجود في السلطة وقتذاك. وكان دومينيك شتراوس يعتبر رئيساً ناجحاً لصندوق النقد الدولي بنظر الكثيرين منذ توليه منصبه في تشرين الأول من عام 2007، وذلك بالمقارنة مع المدراء السابقين له(19-ق).

ملكي اكثر من الملك
ولكن ما حدث أثناء مغادرته الولايات المتحدة إلى فرنسا، كمرشح محتمل وقوي للرئاسة الفرنسية القادمة، كان أمراً غريباً جداً. إذ اعتقل في مطار نيويورك بتهمة التحرش الجنسي بعاملة إفريقية تعمل في الفندق نفسه الذي غادره شتراوس، حيث اتهمته هذه المرأة بالاعتداء عليها جنسياً في غرفته. والأغرب من ذلك أن القضاء الأميركي أمر بأن يكون الحبس مشدداً، ولم يوافق على إطلاق سراحه بكفالة عادية إلاّ بعد أن وصلت قيمتها المليون والربع مليون دولار، على الرغم مما قدمه محاموه من أدلة بأن لتلك العاملة سجل “غير نظيف”. وبالنتيجة تمت تبرئته، ولكن بعد أن نالت الفضيحة من سمعته كثيراً. وبغض النظر عن صحة “الفضيحة” من عدمها، وعن شخصية شتراوس، وهل فعلاً كان سيصبح قائداً لفرنسا أفضل من “أولاند” الذي رشحه الحزب الاشتراكي للانتخابات، (بعد فضيحة شتراوس)، وفاز على ساركوزي، وأثبت أنه أكثر من ساركوزي طاعة وولاءاً للولايات المتحدة، وأن دوره في مآسي “الربيع العربي” في ليبيا وسوريا أفصح برهان على أن أولاند “ملكي أكثر من الملك”. بغض النظر عن ذلك كله فقد أظهرت المقالات ” والتسريبات” في الصحف ومحطات التلفزة والمواقع الإلكترونية – ولكن على نطاق ضيق وعلى “خجل واستحياء”، وتم إنهائها بصورة سريعة، لأنها تخص أهم الأسرار الأميركية والعالمية أيضاً – القصة التالية التي وردت في مقال لنائب رئيس حزب الوفد المصري (19-س) والتي تقول:
“إن تقريراً جديداً قدم إلى بوتين رئيس وزراء روسيا من إدارة الأمن الاتحادية الروسية يقول بأن شتراوس الرئيس السابق لصندوق النقد الدولي والذي قبضت عليه السلطات الأميركية في 14 أيار واتهمته بجريمة التحرش الجنسي، أنه اكتشف أن كل الذهب الذي كانت تحتفظ به الحكومة الأميركية قد اختفى… “. وطبقاً لهذا التقرير فإن شتراوس كان قد أصبح في غاية القلق في أوائل أيار عندما بدأت أميركا في التباطؤ في تنفيذ التزاماتها بتسليم صندوق النقد الدولي (1913) طناً من الذهب طبقاً لاتفاقها مع الصندوق في عام 1978، والتي كان الصندوق يبيعها لتمويله ما يسمى بحقوق السحب الخاصة وهي البديل لما يسمى العملات الاحتياطية (والتي سبق أن تحدثنا عنها في معرض حديثنا عن بريتون وودز). ويضيف التقرير أنه عندما واجه شتراوس الأميركيين الرسميين المحيطين بأوباما بذلك، اتصلت به عناصر معينة من المخابرات الأميركية وزودته بأدلة قاطعة بأن كل الذهب المفروض وجوده في فورت فوكس قد اختفى. وعندما تلقى الرجل هذه الأدلة رتب على الفور لمغادرة أميركا إلى باريس… ولكن المخابرات الفرنسية اتصلت به سراً وحذرته من أن أميركا ستحاول القبض عليه. فذهب فوراً إلى مطار نيويورك وترك هاتفه المحمول كنصيحة من المخابرات الفرنسية حتى لا تعرف الشرطة الأميركية مكانه بدقة…

اتهام بقضية تحرش جنسي
ولكن عندما ركب شتراوس الطائرة ارتكب خطأً قاتلاً، إذ اتصل بفندقه في نيويورك من هاتف الطائرة وطلب إرسال هاتفه المحمول إلى مقر إقامته في فرنسا، فتمكنت الشرطة الأميركية من تعقبه واعتقاله. وخلال الأسبوعين التاليين اتصل شتراوس بصديقه المقرب المصرفي المصري الكبير (محمد عبد السلام عمر) وترجاه للحصول من المخابرات الأميركية على الأدلة التي قدمها له عميلها، وفجأة تم إعلام محمد عبد السلام عمر من قبل الشرطة الأميركية بأنه متهم بقضية تحرش جنسي بعاملة في فندق أميركي لوكس. وذكر التقرير الروسي أن هذا الاتهام لا يمكن تصديقه لأن محمد عبد السلام عمر يبلغ من العمر (74) عاماً ومسلم شديد التدين.
وفي حركة مدهشة أذهلت الكثيرين في موسكو والعالم قام بوتين بعد قراءة التقرير السري بالأمر بنشر جزء كبير منه على الموقع الرسمي للحكومة الروسية، وذكر فيه أن رئيس صندوق النقد الدولي السابق كان ضحية مؤامرة أميركية. وأضاف بوتين أن من الصعب عليه تقديم الدوافع السياسية لهذه المؤامرة الأميركية، ولكنه لا يصدق أن الاتهام الأميركي لشتراوس كان صحيحاً.
إن الشكوك في وجود الذهب الأميركي في فورت نوكس ليس بالأمر الجديد، إذ إن الأمر نفسه كان قد أثاره عضو الكونغرس الأميركي الشهير رون بول (وهو أحد مرشحي الرئاسة الأميركية في 2012)، حيث كان يردد شكوكه بأن الحكومة الأميركية قد كذبت بشأن الاحتياطي الأميركي للذهب الموجود في فورت نوكس، وكان شديد القلق بشأن إخفاء الحكومة الأميركية للحقيقة الخاصة باحتياطي الذهب، فقدم مشروع قانون بشأنه في عام 2010 لإرغام الحكومة الأميركية على إحصاء الذهب وعده، ولكن إدارة أوباما، وبالتعاون مع قادة الحزبين الديمقراطي والجمهوري تمكنوا من إسقاط المشروع في الكونغرس. وعندما سأل الصحفيون رون بول إذا كان يعتقد أنه لا توجد أية سبائك في فورت نوكس، أجاب بكل صراحة: “أعتقد أن هذا محتمل”. ومن المهم أيضاً أن رون بول طلب، وبعد إلقاء القبض على شتراوس بثلاثة أيام (أي قبل أن ينشر تقرير المخابرات الروسية)، من الحكومة الأميركية بيع احتياطياتها من الذهب قائلاً: “إنه نظراً لارتفاع الذهب الآن والمشاكل الهائلة التي سببتها مديونيتها فإن علينا بيع الذهب والتخلص من ديوننا”.

تقارير مريبة
وتستمر “قصة” نائب رئيس حزب الوفد المصري(19-س) لتقول: بأنه خرجت تقارير كثيرة “مريبة” من أميركا في السنوات الأخيرة تقول: إنه ليس هناك ذهباً لبيعه. ففي عام 2009 نشر التقرير التالي على موقع viewzone. com news site في تشرين الأول 2009، حيث طلب الصينيون شحنة من السبائك الذهبية، والعادة المتبعة هي تبادل الذهب بين الدول لدفع الديون وتسوية الميزان التجاري. وإن معظم الذهب يتم تبادله وتخزينه في خزائن تحت رقابة تنظيم خاص مقره لندن هو “اتحاد سوق الذهب اللندني”. وعندما وصلت الشحنة المذكورة، طلبت الحكومة الصينية عمل اختبارات عليها للتأكد من نقاوة الذهب وسلامة وزنه. وعادة تجرى الاختبارات عن طريق عمل خروم رفيعة في سبائك الذهب وأخذ عينات وتحليلها. ولقد تلقى الصينيون صدمة كبيرة عندما تبين لهم بأن السبائك مغشوشة وهي عبارة عن معدن (التنكستن) مغلف بقشرة من الذهب، والأغرب من ذلك فقد كانت السبائك مرقمة أرقاماً متسلسلة أعطيت لها في أميركا وكانت في مخازن فورت نوكس لسنين طويلة. وكان حجم هذه الشحنة حوالي (5700) سبيكة وزن كل واحدة منها (400) أونسة (حوالي 12,44 كيلوغرام)، أي ما يعادل مجموعه (71) طناً من الذهب!!.
وفيما يتعلق بالذهب المعلن عنه لصندوق النقد الدولي، والبالغ –كما في الجداول- لكمية تصل إلى (2814) طناً حتى نهاية 2013، فإن الذهب الذي كان لدى الصندوق لغاية حزيران 2009 قد بلغ (3217) طناً(19-ر)، وهو رقم ثابت لسنوات عديدة تسبق هذا التاريخ. وفي الربع الثالث من سنة 2009 أعلن الصندوق أنه سيبيع ثمُن الذهب الذي لديه، أي حوالي (403) طناً. وأعلن بعد ذلك أنه باع (200) طن إلى الهند، و(10) أطنان لكل من سريلانكا وبنغلاديش.
ما يجلب النظر أن صندوق النقد الدولي يسجل في حساباته ولحد الآن سعراً للذهب أقل بكثير جداً من سعر السوق، فالذهب في حساباته هو بسعر (47) دولار/الأونسة!!. وهناك مقاومة شديدة من الصندوق لإعادة تقييم سعر الذهب، وتشاركه في ذلك كندا.
لقد اقترح الملياردير المعروف جورج سوروس في 2010، حلاً قال عنه: “إنه حل بسيط وغير مكلف لأية جهة دولية، وذلك لإنهاء أزمة الديون للدول الفقيرة”. واقترح أن يعيد صندوق النقد الدولي تقييم الذهب الموجود لديه حسابياً، وبدون أن يبيعه، والفرق في الحساب يستعمل لإسقاط جمع ديون الدول الفقيرة!!. طبعاً لم يأخذ أحد بهذا الاقتراح. ومما تجدر الإشارة إليه أن سوروس يعد أحد أغنى أغنياء العالم، وهو أميركي من أصل هنغاري، جمع ثروته من المضاربات. وهو الذي يطلق عليه “الرجل الذي حطم بنك إنكلترا – البنك المركزي البريطاني- The man who broke the Bank of England”، وذلك في يوم 16/9/1992، الذي أطلق عليه رجال المال اسم “الأربعاء الأسود”. حيث قام بالمضاربة على الباوند البريطاني وباع سوروس (10) مليارات باوند بريطاني، فانهار الباوند بعد ذلك وربح سوروس مبالغ طائلة قدرت بمليار دولار. علماً إنه وبعد أن جمع هذه الثروة الهائلة، أصبح من أشد المعارضين للعولمة الرأسمالية المنفلتة، مكرراً: أن أي اقتصاد يمكن لشخص واحد أن يحطمه هو اقتصاد خاطئ من أساسه. وله حالياً عدد كبير من المؤسسات الخيرية، ويساهم كثيراً في إعانة المعاهد العاملة ضد العولمة، وكان من أشد معارضي بوش الابن.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة