ما الذي جناه الشعر من المهرجانات؟

سلام مكي

انه سؤال راودني، منذ اليوم الأول لمهرجان الجواهري الذي عُقد مؤخراً بمشاركة عدد كبير من شعراء بغداد والمحافظات، وخصوصاً بعد كلمة السيد وزير الثقافة الجديد فرياد رواندزي التي تركت أثراً طيباً في نفوس الشعراء والمثقفين بوجه عام، حيث أدلى بتصريحات لم يألفها المثقف العراقي منذ التغيير وحتّى الآن. تصريحاته أكدت على فتح صفحة جديدة من العلاقة بين المثقف ووزارة الثقافة، ثم بيّن المسألة الأهم وهي أن وزارته دعمت المهرجان بمبلغ 100 مليون دينار عراقي، وما أيد كلام رواندزي تصريح رئيس الاتحاد الناقد فاضل ثامر الذي قال إن الوزير لم يتردد لحظة في منح المبلغ عكس الدورة السابقة التي شهدت علاقات متشنجة بين الاتحاد والمثقفين من جهة ووزارة الثقافة من جهة أخرى. فمبلغ الـ100 مليون دينار بذله السيد الوزير في سبيل الشعر طبعاً، وفي سبيل الجواهري. السؤال هنا: هل جنى الشعر والجواهري من المهرجان شيئاً؟ هل تحقق شيء للشعر بعد المهرجان؟ هل ازدادت مكانة الجواهري بعد اقامة مهرجان له؟ أتذكر في العام 2011 يوم عقد مهرجان الجواهري وأقيم حفل الافتتاح في المسرح الوطني، وسط حضور جماهيري كبير، حيث ألقيت القصائد وتفاعل الجمهور معها، لكن المهرجان الأخير، الذي عقد في نادي العلوية، افتقر الى الحضور الرسمي عدا وزير الثقافة، إضافة إلى أن الملل تغلب على الجمهور وأعني المدعوين، إذ غادر أغلبهم القاعة، حتى إن الشاعر كاظم الحجاج قال قبل إلقائه لقصيدته: “شكراً لمن بقي في القاعة!”، فإذا لم يستمع الشعراء الى الشعر في الافتتاح، فمتى سيستمعون؟ ثم إن الفوضى التي سادت في حفل الافتتاح والجلسات الأخرى، إنما تدل على انّ الشعراء لم يقطعوا المسافات لأجل عيون الشعر! وانما لغايات أخرى، وإلا لكانوا استمعوا بإنصات الى ما يقرأ. وفي اليوم التالي، ارتكبت بحق الجواهري جناية عندما قرر المنظمون أن تكون الجلسات في شارع المتنبي، حيث المركز الثقافي البغدادي، الذي كان مكتظاً بالحضور، والشعراء بالكاد وصلوا الى القاعة المخصصة للمهرجان التي لم تتسع إلا لعدد معين، واستمع الآخرون إلى القصائد وقوفاً. كنت أبحث عن لافتة تليق بالجواهري وسط الزحام، لكني لم أجد. ولم تكن القراءات الشعرية بحال أفضل من غيرها، فقد سمح المنظمون لأشخاص لا يمتلكون أدنى مقومات الشعر، كذلك لنقاد لا يجيدون أبسط مقومات النقد، اعتلوا منصة الاتحاد بصفة نقاد!
نعود إلى المبلغ المخصص للمهرجان وهو الـ100 مليون دينار. ألم يكن من الأجدر أن يصرف هذا المبلغ في مجالات أخرى غير المهرجان؟ مجالات يمكنها أن تحل كثيراً من المشكلات أو العقبات التي تواجه المثقف والثقافة. المبلغ الذي صرف على المدعو في المهرجان، يمكنه أن يسد تكاليف طباعة كتاب. فالمبلغ المخصص كأجور نقل ونثريات طعام لا تقل في أغلبها عن مائتي ألف دينار وتكلفة المبيت في الليلة الواحدة تكلف ثمانين ألف دينار، الفندق استقبل المدعوين من الأربعاء إلى يوم الأحد. فما صرف على الشاعر في أيام المهرجان يمكنه كما قلنا أن يطبع به كتاباً، وبهذا سوف يجني الشعر الكثير من طبع الكتاب، وكذلك الوسط الثقافيّ إذ لا يكاد يخلو شاعر من مخطوطة لا يملك ثمن طباعتها. معلوم إن الأخطاء التي حصلت في مهرجان الجواهري الأخير لم تكن الأولى، كما لن تكون الأخيرة، فكان على الاتحاد أن يخطط لإيجاد طريقة يمكنه من خلالها خدمة المثقف ودعمه بكل ما يستطيع من وسائل، ومنها أن يقنع وزير الثقافة بأن يحول المبلغ المخصص للمهرجان الى احدى المطابع لطبع كتب الأدباء، فالمبلغ يكفي لطباعة أكثر من 150 عنواناً. وعلى اتحاد الأدباء أن يستغل تعاون الوزير مع الاتحاد والعلاقة الودية بينهما في استحصال كل ما من شأنه دعم المثقف وانتشال الثقافة العراقية من حالة الجمود والتراجع التي تشهدها في جميع ميادينها. الأخطاء المتكررة يتحملها الجميع من الاتحاد وحتى أصغر عضو فيه من الهيئة العامة. فالجميع مسؤول عما يجري في المهرجانات، ولكن مسؤولية الاتحاد أكبر، كونه الجهة التي تشرف وتنظم الفعاليات الثقافية، وهي الممثلة للمثقفين والأدباء، فعليه أن يمثلهم خير تمثيل، وعليه أن يخدمهم بشتى الوسائل. وبعد كل هذا، علينا أن نسأل مجدداً: ما الذي جناه الشعر من المهرجانات؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة