مثقفون فضائيون

كثر الحديث عن الثقافة الفضائية، وعن المثقفين الفضائيين، حتى تحول هذا الحديث الى نوع من الكوميديا السوداء، والى صورة لمحنة الفساد الذي بات يعمّ كل مفاصل حياتنا السياسية والاقتصادية!!
تضخيم هذا الموضوع يعكس هشاشة البناء المؤسساتي للثقافة، وتخلخل تقاليد (صناعة) صورة المثقف المهني، والمثقف المعرفي، أو حتى مثقف المجالات الأدبية والفنية، إذ أن هذه الهشاشة أسهمت في تعويم هوية هذا المثقف، وأتاحت للبعض سهولة التموضع في (الدائرة الثقافية) والتسلل الى سرائرها دونما أهلية أو وعي بمسؤولية الثقافة كوظيفة عضوية ومهنية ومعرفية في المجتمع.
صحيح أن هذه الظاهرة اجتماعية أكثر من كونها ثقافية، لكن تراكمها قد يضع الواقع الثقافي أمام مهددات ومفارقات فادحة، مثلما قد يضع المثقف ذاته أمام إشكالات إثبات ذاته الثقافية، وترصين وجوده في ظل صراعات مرعبة، وفي ظل واقع مخروم وفاقد للكثير من شروطه القانونية والثقافية والاجتماعية، وهذا بطبيعة الحال سيتحول الى قوة ضاغطة، قد تتيح للكثير من الجماعات لتقديم أنموذجها الثقافي، بوصفه حاملاً ومروجاً لخطابها، ولسياساتها ولنزعاتها العصابية والأيديولوجية، فضلاً عن تحول هذا الأنموذج إلى قوة ضاغطة في المنافسة على مايمكن عدّه (مغانم ثقافية) في السفر وفي حضور المهرجانات والمشاركة في المؤتمرات الثقافية في الداخل أو الخارج في إصدار الكتب وتسنم المسؤوليات الثقافية.
لا توجد آلية لتصفية (المثقفين الفضائيين) مثلما هي الحال في الوزارات والمؤسسات الأخرى، وليس هناك وصفة جاهزة لتحديد جنس المثقف، ولا علاماته الفارقة، لكن ما يمكن العمل من أجل ضبط التوصيف الثقافي هو العمل على إنضاج البيئة الثقافية، وإعادة النظر في سياقات عمل الجهات المعنية بالصناعة الثقافية بدءاً من الوزارات والمؤسسات الرسمية التي تملك المال لصناعة ما يجاور الثقافي، وما يمكن أن يهدده، وانتهاء بالجهات والمؤسسات المدنية وتحديد (جنسها) ومعرفة برنامجها وآلية قبولها وتسجيلها القانوني، فضلاً عن تنظيم العمل بآليات الصناعة الثقافية، لاسيما ما يتعلق بإصدار ونشر الكتب والمجلات ذات المرجعيات الثقافية، أو حتى الجهات المسؤولة عن الصناعات الفنية في مجالات التشكيل والغناء والمسرح والسينما، وكل ما يدخل في مجال إنتاج وتسويق البضاعة الثقافية…
البيئة الثقافية المشبعة بالمهنية هي المجال الذي يضبط مسار صناعاته، ويحدّ من تضخم العاهات الفضائية التي تعتاش مثل أي كائن طفيلي على واقع رخو، وفي بيئة هشة مسكونة بالعصاب والأوهام، كما ان هذه البيئة هي المسؤولة عن ترسيم التقاليد الثقافية، بوصفها قوة معنوية لاتشرعن إنتاج الأوهام الثقافية، ولا تعطي للصوص الثقافة مجالاً للتسلل إلى البيت الثقافي الرصين، والى التشويش على صورة المثقف الفاعل النقدي والمعرفي والعضوي، وأن تؤمّن نوعاً من (السيطرة النوعية) لكي لا تسمح للبضاعة المغشوشة من الرواج في السوح الثقافية المتعددة، وعبر وسائل الإعلام أو في المهرجانات أو حتى في الجامعات والمدارس..
ومما لاشك فيه أيضاً إن (الغش الثقافي) رهين أيضاً بهوية السلطة المستبدة، وبطرقها في الترويج لبضاعتها الدعائية، مثلما هي جزء من منظومة الحكم المركزي بكل مستوياته الايديولوجية والعسكرية والسلالية، والذي يفرض شروط هيمنته على التفكير وعلى مؤسسات الفكر والإنتاج الثقافي، وبما يجعل المثقف جزءاً من مؤسسة السلطة ومن عصابها..
صورة هذا الثقافي هي أُسّ الخراب، وهي الأرضية الرخوة والفاسدة التي أسهمت ومنذ عقود في الترويج والتضخيم لظاهرة المثقف الفضائي.
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة