نهاية مفتوحة عن فوبيا الخلافات الزوجية

G O N E G I R L

عبد السادة جبار

تمثيل: بن افليك، روز اموند بايك
اخراج: ديفيد فيشر
لم يغادرنا المخرج الانجليزي الكبير الفريد هتشكوك عام 1980 من دون أن يترك أثره على السينما المعاصرة، ولم تزل لعبة الألغاز والصراعات النفسية والإيحاءات الجنسية تشكل أساليب لتفسير الجريمة في العديد من الأفلام وهي عناصر أساسية في المدرسة التي أسسها هذا المخرج الكبير مستعيناً بمصادر علم النفس حيث نستطيع أن نقول بأنها مدرسة واقعية – إلا في أفلام قليلة- على الرغم مما يكتنفها من خيال يعتقده البعض ينطوي على نوع من المبالغة، ومع الفارق الزمني الكبير بينه وبين المخرج العبقري هيتشكوك يقدم لنا المخرج الأميركي “ديفيد فيشر” فيلماً اجتماعياً مهماً ( GONE GIRL) مستفيداً من المدرسة ذاتها ولكن بإبداع معاصر يثير الاهتمام، الفيلم مقتبس عن رواية ناجحة بالاسم نفسه، للمؤلفة “جيليان فلين” والتي تولت أيضاً كتابة السيناريو، وقد اشتغلت الكاتبة سابقاً لمدة طويلة كمحررة وناقدة تليفزيونية قبل أن تتجه للروايات، وقد نجح هذا التعاون بينها وبين فيشر لتسهم في كتابة سيناريو محكم لروايتها ويصور فيشر فيلماً جيداً وناجحاً عنها. والفيلم يتناول قصة اختفاء زوجة مفاجئ ثم يستعمل (الفلاش باك ) رابطاً بين أحداث سابقة وتفاصيل البحث عن الزوجة دافعاً المتفرج ليعتقد بأنها تعرضت للقتل والمتهم هو زوجها، الفيلم يتبنى التدهور في العلاقات الزوجية نتيجة: الاختيار من أول نظرة، اللقاءات الجنسية، الفتور، المشكلات الاقتصادية، عدم التوازن، الخيانة، ليتطور الأمر إلى شجار وسوء تفاهم، عناد، ثم انتقام، وانحرافات أخرى، في الواقع الفيلم تحليل واقعي و اسهامة إضافية عن فوبيا الخلافات الزوجية.

سيناريو الفيلم
يستقبلنا الفيلم بعبارات تدور برأس “نيك دان” (الممثل بن افليك ) في أثناء وجود زوجته “ايمي” ( الممثلة روزاموند بايك) بأحضانه، “عندما أتأمل زوجتي، تنتابني تصورات عن رأسها، أتخيل نفسي أنفذ إلى جمجمتها، لأتفحص ما يدور في مخها للحصول على الأجوبة الصحيحة.. فيمَ تفكر؟.. بماذا تشعر؟.. ماذا فعلنا ببعضنا؟”، ومن الوهلة الأولى تشعر بأنها عبارات تفصح عن شك وقلق وارتياب تلك البداية اللغز تمهد للغز آخر حين يعود “نيك دان” إلى منزله ولا يجد زوجته “ايمي” في المنزل. وسرعان ما ينتشر خبر اختفائها ليستقبل بتغطية إعلامية كبيرة، وتبدأ المحققة “روندا بوني” الممثلة (كيم ديكينز) في البحث عن خيوط توصلها للسبب وتعتقد المحققة في أن نيك قتل زوجته، وتصرفاته الغريبة يتم تفسيرها من قبل الإعلام على إنها سمات ارتكاب جريمة، وهنا نتعرف عبر الفلاش باك كيف تعرف نيك على ايمي وكيف أعجب الأول بالثاني وتم الزواج لنكتشف ان ايمي عملت جاهدة لتبني أسرة ناجحة وتخلق من هذا الحب بذرة تريدها أن تغدو شجرة راسخة للأبد، لكنها تكتشف إن نيك بدأ يفتر ويهمل هذه العلاقة، يرافق ذلك ضغوط اقتصادية ثم تكتشف ايمي ان نيك يقيم علاقة مع تلميذة معجبة به، سوء التفاهم يتطور إلى شجار ثم إلى إهمال تصاب بشطط عقلي يتحول إلى مرض نفسي لتفكر ايمي بالانتقام من نيك انه لا يوافق حتى على انجاب طفل هو إذن يريد أن يجتث الشجرة، تشعر إنها فقدت كل شيء وتخطط لأن تختفي ليدور الشك حوله ويتهم بقتلها، من خلال أدلة صنعتها إيمي، يكتشف نيك انها خططت لتلفق له تهمة، وتختبئ هي في مخيم بعيد بعد أن زيفت شكلها، ثم تتابع هي ما ينقل عن وسائل الإعلام منتظرة إدانة نيك ومعاقبته بجريمة قتل. في أثناء هذا الوقت يكتشف نيك انه يحب ايمي وان محاولة الانتقام تلك ناجمة عن حب جنوني وانه ارتكب خطأ فادحاً بحقها، ومن جانبها يكتشف أمرها ويسرق مالها وتتعرض للتهديد وتهرب من المخيم، لكنها تلجأ إلى صديق قديم “ديزي كولينجس” ( الممثل نيل باتريك ) كان من المعجبين بها الا انه مصاب بشبه لوثة عقلية، يفرح باستقبالها حين تدعي انها قد فارقت زوجها، يستعين نيك بمحامٍ ذكي يمكنه من دفع التهمة عنه خصوصاً وانهم لم يجدوا جثة ويساعده اعلامياً بتسليط الضوء عليه بكونه نادماً على معاملته السيئة لايمي وانه مشتاق لها ويرجوها أن تعود إليه وحين تشاهد ذلك تقتنع بصدق كلامه، الا انها تفكر بأنها قد تبدو محتالة وتسقط بنظر الناس، ولهذا تلجأ إلى خطة جديدة ترتب فيها تبريراً لتركها البيت، هذه الخطة تنم أيضاً عن إرباك نفسي أصيبت به ايمي، اذ تغري “ديزي” ليواقعها ثم تقتله وتصنع أدلة اغتصاب واختطاف لتثبت للشرطة انها اختطفت من البيت ولم تتخلص منه إلا بقتله خصوصاً وان ديزي له ماضٍ من هذا النوع، وهكذا تعود ايمي لنيك وتنطلي الكذبة على الجميع إلا نيك، إذ انه بدأ يشعر بان ايمي أصبحت شخصاً آخر.

المعالجة والأصداء
يتفق النقاد على إن ” فيشر” لا يصور فيلمه ليحكي قصصه بشكل سلس وحكائي تقليدي، اذ يميل إلى وضع المتفرجين في كمائن قاسية كأنها لن تنتهي بحلول معقولة، في الفيلم الأخير تعالج ايمي الخطأ بخطأ فادح ويعمل ذكاؤها باتجاه الانتقام بشكل محبوك كما فعلت مع خطة محاولة الاطاحة بزوجها وخطة العودة إليه، وفي الجانب الفني، تمكن فيشر من صناعة تكوين بصري منذ بداية الفيلم حيث أوحى بخواء المدينة، واستعمل تلك التدرجات للون الرمادي والأخضر حتى لمشاهد الفلاش باك في حياة الزوجين التي بدت سعيدة، ، وعلى الرغم من أن المشاهد الأولى من الفيلم كانت مملة، إلا أنها كانت مقصودة لتوحي بالرتابة وسوء التفاهم والبرود وتجنب فيها فيشر التصنع أو افتعال مشاهد تشويقية بصرية، الفيلم مفعم بالألغاز التي كلما توصلنا إلى حل أحدها يدخلنا إلى لغز آخر، منذ البداية يهيمن الحزن والعنف النفسي والتوقعات غير السعيدة وحتى آخر لحظة. ينتهي الفيلم حيث تبدو النهاية ان كل شيء تم إصلاحه، إلا انه في الواقع هناك شيء جديد قد كسر، ويتمكن فيشر من أن يخلق التباساً لدينا بين الحقيقة والواقع والخيال، وأعمال فيشر كما يؤكد النقاد لا ترجح الجانب العقلي، بل يصبح أقل وضوحاً، إذ يرجح الجانب النفسي لأبطاله حيث تبرر سلوكياتها تبعاً لذلك وبذلك تصبح حتى الجريمة مقبولة عند البطل اذا كان القصد الوصول الى الهدف. حين يكتشف نيك جريمة ايمي بقتل ديزي تفسر له انها لم ترتكب خطأ لكونها تحبه أكثر ويجب ان تعود اليه، في الواقع ان عناصر نجاح هذا الفيلم كثيرة السيناريو، التصوير، الموسيقى، المونتاج، ولكن ثمة دور مميز لنجاحه لعبه أداء الممثلة الانجليزية الأصل “روزاموند بايك”. إذ لم تؤد بمسيرتها الفنية السابقة بهذا القدر من البراعة، بسبب الأدوار التقليدية السابقة التي حبست بها.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة