خرائط كرونينبرغ تكشف عن كواليس هوليوود وخفاياها

بشار كاظم

صرح المخرج الكندي ديفيد كرونينبرغ عقب عرض فيلمه الأخير “خرائط الى النجوم” بأن “هوليوود عالم مغرٍ وطارد في الوقت ذاته، هذا المزيج بين الاثنين جعلها بهذه القوة” . وهذا ماجعل صاحب السبعين عاماً أيضاً بأن ينقل كاميرته الى لوس أنجلوس لتكون المرة الأولى التي يصوّر فيها داخل الأراضي الأميركية طوال مسيرته. فكرونينبرغ الذي دخل عالم السينما منذ سبعينيات القرن الماضي عرف من خلال مايسمى “رعب الجسد” بما قدمه من أعمال ناجحة في أثناء مسيرته الفنية منها “الذبابة” ، و”تاريخ من العنف” ، و”وعود شرقية”، لم تطأ قدمه أرض هوليوود الا بصفة المحلل والكاشف للخبايا والأسرار التي تقبع تحت سحر المدينة.
يغور كرونينبرغ داخل يوميات المدينة من خلال سيناريو للكاتب بروس واجنر المعروف بآرائه اللاذعة حول صناعة الترفيه في هوليود، حيث تتبع الأحداث مجموعة من الشخصيات المشهورة داخل هوليوود. بنجي فايس فتىّ في الثالثة عشرة من عمره، دخل عالم الشهرة كممثل منذ صغره، يحاول العودة الى مزاولة عمله بعد تعافيه من الادمان على المخدرات في بداياته المبكرة، يعيش برفقة أمه و أبيه الدكتور ستافورد الذي يعمل كمعالج نفساني يساعد المشاهير على تخطي أزماتهم الخاصة. هافانا سيجراند إحدى مريضات الدكتور ستافورد تعيش عقدة التقدم في السن الذي يحول دون مشاركتها في الأفلام، اضافة الى مطاردة شبح أمها المتوفاة الذي يخيم على حياتها. ثم تنتقل القصة الى اجاثا فايس الوافدة الجديدة الى هوليوود، والتي تحمل الكثير من الطموحات والأحلام، حيث ترتبط عاطفياً مع جيروم سائق الليموزين الذي يشاركها هدف تحقيق الشهرة. تصطدم كل هذه الشخصيات وتتداخل في مابينها في أثناء سير الحبكة لتكشف لنا عن ضريبة العيش في هذا العالم الساحر والأخاذ.
ومثلما عمل ( الاخوين كوين ) في فيلم “بارتون فانك” وديفيد فينشر في “طريق موهلاند” بحثاً فلمياً عن خفايا هوليوود وشخصياتها المركبّة، يعاود ديفيد كرونينبرغ الموضوع ذاته من خلال رؤيته السينمائية الخاصة، حيث تبيّن عدسة كرونينبرغ تفكك العلاقات الإنسانية وانحدارها داخل مدينة الأحلام من أجل تصدير صورة مثالية زائفة وتحقيق الشهرة والنجومية، وهذا ماتعكسه العلاقة بين أفراد عائلة بينجي أو علاقة هافانا مع بقية زملاء المهنة. هذه العلاقات التي تطغى عليها الغيرة والحقد على الآخر، جاءت نتيجة الفردية المرضية التي يعاني منها أبناء هوليوود خارج الأضواء، فأغلب أبطال الفيلم لهم أشباحهم الخاصة التي تطاردهم اينما يذهبون، هي تمثل حدثاً أو تاريخاُ للشخصيات يرجع ويتجسد مهما حاولوا تلافيه، وهذا المحور يجعل شخصيات الفيلم قريبة الى شخصيات تعامل معها كرونينبرغ في أسلوبه المعروف “برعب الجسد” ، على الرغم من إبتعاده عن هذا الإسلوب في عدة أعمال سبقت هذا الفيلم.
يقدم لنا كرونينبرغ هوليوود على أنها سجن تصعب مغادرته، وهنا عمل على ثنائية المغري – الطارد التي ذكرها. فشخصية اجاثا فايس ترجع الى هوليوود من جديد على الرغم من انها غادرتها منذ الطفولة وهي مثقلة بأضرار جسدية ونفسية ترافقها في حاضرها، كما أن معظم شخصيات الفيلم عالقة في هذا العالم ولاتجد سبيلاً في الخروج منه. وهذه الشخصيات تردّد مقاطع مختلفة من قصيدة ” حرية ” للشاعر الفرنسي بول ايلوار في عدة مشاهد يتبين للمتلقي من خلالها حضور هذه الثيمة.
الفيلم من بطولة (مايا واسيكوسكا – جون كيوزاك – روبيرت باتينسون ) اضافة الى جوليان مور في واحد من أهم أدوارها، حيث استطاعت التميّز عن الجميع بتجسيدها شخصية هافانا سيجراند في حالات ضعفها وانكسارها أو قوتها. فيلم “خرائط الى النجوم” يعكس مدى قوة المخرج ديفيد كونينبرغ في تنويع مواضيعه وقدرته على توظيفها من خلال أسلوبه السينمائي الممّيز.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة