العدالة أم العين بالعين..؟

وضع المشرّع الأول بالتاريخ البشري الملك المعلم حمورابي أول القوانين البشرية قبل ظهور الأديان التوحيدية ببضعة آلاف من السنين. وأختار العقوبة للمعتدي تساوي الضرر الذي ألحقه بالضحية. وورد نصٌ حرفي في مسلة حموررابي ضمن قوانين العقوبات ينص على (العين بالعين والسن بالسن).
لم تخرج جميع الأديان «السماوية» عن هذه القاعدة الرئيسية الثابتة لا باليهودية التي تبنتها كاملة ولا بالمسيحية التي أضافت عليها بعض التجميلات ولا بالإسلام. دام العمل بهذه القاعدة القانونية على الأرض حتى يومنا هذا بشكل أو بآخر. تسير الكثير من العشائر العراقية على هذا القانون وتضعه في أولوية أحكامها عند القتل العمد. وأيضا تجاوز الكثير من المسيحيين تعاليم نبيهم في حقب تاريخية طويلة لكي يطبقوا هذا المبدأ القانوني الذي وضعه الملك حمورابي بزمان معين ومكان معين وظروف معينة لا ينطبق الكثير منها على المجتمعات البشرية بالوقت الحاضر.
القوانين الوضعية هي خلاصة تجارب اجتماعية بحت يضعها المشرعون لتلبي حاجات المجتمع؛ تتطور حسب المجتمعات المتطورة، وتتخلف حسب المجتمعات الجامدة والمتخلفة التي ترفض التطور لأسباب دينية وعقائدية وقبلية صارمة. يقف رجال اللاهوت ضد الناسوت بهذه المعايير الوضعية، لذا يحارب رجال الدين «اللاهوت» رجال العلم والمعارف والحريات العامة «الناسوت» ـ كلمة مشتقة من الناس ـ، يُضاف لهم رجال السلطة من المتنفذين الكبار وشيوخ القبائل ورؤساء العشائر من المنتفعين الذين يضمن لهم الدين سلطات مطلقة لايمكن للآخرين تجاوزها أو التطاول عليها.
تختلف أنواع القوانين ومفاهيم العدالة والعقوبات بين مجتمع وآخر. ونجد أن القوانين التي تنص على عقوبات قاسية تفوق الجرم المرتكب أحيانا تجد مرتعها وثباتها النسبي بالمجتمعات الشرقية الصارمة. على سبيل المثال عقوبة الإعدام ألغيت من جميع الدول الأوروبية، وفي أميركيا لازالت بعض الولايات القليلة تعمل بها بينما ألغتها الكثير من الولايات الأخرى حسب الأوضاع الاجتماعية والضرورات الإجبارية. وعقوبة الحكم «مدى الحياة» يختلف بين دولة وأخرى وهي أقسى العقوبات. ففي السويد تبلغ 12 عاما يمضي المحكوم 8 سنوات فعلية ومن ثم يُطلق سراحه.
القوانين حاجة اجتماعية نسبية وليست مطلقة، تتطور حسب تطور المجتمع ذاته وهي ليست حاجة دينية أو سياسية؛ الأسباب التي دفعت المجرم عن قصد أو غيره لإرتكاب جريمته يجب أن لا تؤدي بالعدالة إلى ارتكاب ذات الأذى عن قصد بفعل قوة السلطة وقوة القانون المبالغ فيها. هنا لا يفصل الشرطي أو رجل القضاء عن المجرم سوى خيط رفيع بين مجرم عادي ومجرم قانوني عندما يغيب مفهوم العدالة الحقة.
علي عبد العال

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة