الحاجـة الـى تعديـل القوانيـن

سلام مكي *

ان لكل نظام سياسي قوانينه الخاصة التي تعبر عن فلسفة ذلك النظام وتسعى لترسيخ مبادئه وأسسه وتعمل على تحقيق الأهداف العليا لذلك النظام. وبما أن الهرم القانوني في أية دولة يبدأ من الدستور وينتهي بالتعليمات والأنظمة والأوامر الإدارية التي تصدرها دوائر ومؤسسات الدولة، فإن المنطق القانوني والسياسي يقتضي أن تسير طبقات الهرم كله على خطى القمة أي الدستور، بمعنى عدم جواز وجود قانون أو تعليمات أو نظام يخالف الدستور الذي هو من السمو لدرجة كونه المرجع الأعلى للحكم والكل يخضع له حكّاماً ومحكومين. ما يتعلق بالحالة العراقية، فإن أول دستور عراقي والذي سميّ بالقانون الأساسي العراقي سنة 1925 قد وضع اللبنة الأولى لوضع سياسي معين مثّل فيما بعد الثيمة العامة للحياة السياسية في العراق، وكذلك القوانين والتشريعات التي سُنت لتطابق ذلك الوضع. ما عنيته بالوضع السياسي هو مسألة ترسيخ فكرة أن الحاكم السياسي سلطة عليا منزهة عن الخطأ وفوق الشبهات وغير قابل للنقد من قبل أحد. هذه الحالة السياسية التي نصّت عليها فيما بعد الدساتير المؤقتة التي سنتها الأنظمة التي أفرزتها الانقلابات والثورات والتي استمرت الى سنة 2003 لها من الشرعية كونها تعبر عن الفلسفات المتشابهة لتلك الأنظمة وهي فلسفة الاستبداد والدكتاتورية. وهذا ينعكس على القوانين التي لابد ان تكون هي ايضاً معبرة ومتوافقة مع الوضع السياسي. أما غير المنطقي والذي يستدعي إعادة قراءة هو مرور عقد كامل على تغيير المنهج الشمولي للسلطة السياسية وقلب نظام الحكم رأسا على عقب وبروز فلسفة ورؤية جديدة لإدارة الدولة العراقية ومازالت القوانين التي سُنت في مرحلة الحكم التفردي نافذة!! المنطق القانوني والعقل لا يستوعب ان دولة يبدأ دستورها بمادة تقول: … نظام الحكم فيها جمهوري نيابي( برلماني) ديمقراطي اتحادي. كيف ان ثماني سنوات مرت على نفاذ هذه المادة ومازالت المنظومة التشريعية العراقية تزخر بعشرات القوانين والقرارات التي ليست ديمقراطية! ألا ينبغي على السلطة المختصة بالتشريع مراجعة تلك القوانين بالتعديل أو الإلغاء؟ ألا ينبغي على المنظمات التي تدعي أنها تمارس الرقابة على السلطة السياسية ان ترفع دعاوى أمام المحكمة الاتحادية بالطعن بعدم دستورية تلك القوانين؟ ألا ينبغي على الأفراد الذين تطبق عليهم تلك القوانين ان يطعنوا بها؟ ان الديمقراطية هي هوية وليست مجرد شكل لنظام الحكم، حيث يؤمن بها الأفراد ويطبقونها من دون إكراه. أما إذا لم تكن الديمقراطية وليدة الظروف الطبيعية لها المتمثلة بالتدرج التاريخي من خلال درج السلطة على إتباعها والالتزام بها ضمن مراحل تاريخية معينة، فإنها حتماً ستكون وليدة مشوهة تكون بالنتيجة وبالا على النظام والأفراد وهذا ما تمثّله الحالة العراقية. الديمقراطية العراقية هبطت فجأة، ومن دون سابق إنذار ولا وجود لمن يمارسها ويفهمها وحتى يؤمن بها، بل العكس، فقد تحولت الى مجرد وسيلة للوصول الى السلطة لا أكثر. وبما ان استقلال السلطة القضائية عن بقية السلطات الأخرى يمثل العنوان الأبرز للديمقراطية، والباعث الأكبر على زرع الثقة في نفوس الأفراد وبعث الطمأنينة في ان القضاء في دولتهم يركن الى تحقيق العدالة من دون سواها، وبالتالي سيادة النظام والقانون وإعطاء قوة اكبر للدولة عن طريق فرض سلطانها وهيبتها على جميع مواطنيها وبعكس ذلك، فان القضاء في الدولة التي تحكمها سلطة دكتاتورية فان القضاء يصبح مجرد وسيلة لتحقيق مآرب تلك السلطة وأداة للقمع والاستبداد، ذلك ان اية سلطة مهما كانت دكتاتورية تحاول إضفاء الشرعية على تصرفاتها فتقوم بسن القوانين الخاصة وتنشئ المحاكم لتطبيق تلك القوانين ويصبح القضاء القانون مجرد كابوس يراود الأفراد أينما حلوا. ولا يختلف الأمر كثيرا في الدولة غير المستقرة سياسياً وامنياً، فان عدم استقلالية القضاء وتأثره بالأزمات السياسية وخضوعه للضغوط من قبل المتنفذين يضعف الثقة بالقضاء من قبل الأفراد أولا الذي يركنون الى أخذ حقوقهم بعيداً عن القضاء وبالتالي سوف لن يكون هناك مجتمع مدني وإنما هناك غابة الحكم فيها للقوي. ويأخذ الأمر أبعاداً أكثر خطورة حين تكون مسألة استقلالية القضاء مدعاة للشك من قبل الجهات الدولية، فأهم ما يميز شخصية الدولة في المحافل الدولية هو مدى الثقة بكون سلطتها القضائية مستقلة عن سلطتها التنفيذية. فإن على أية دولة التي تكون في طور التحول الى الديمقراطية ان تبدأ بالتشريعات التي تمس استقلالية القضاء وجعله تحت دائرة الاتهامات والشكوك والعمل على تطبيق تلك القوانين بصورة صحيحة لتضمن أهم ركيزة من ركائز الديمقراطية. ان أهم القوانين التي تنظم عمل القضاء وتمنحه الحقوق والصلاحيات التي تجعله قادراً على استيعاب الوقائع والظروف العامة للدولة والعمل على جعل القوانين مطابقة للحالة السياسية في الدولة عندما تعجز السلطة التشريعية عن القيام بواجباتها هو قانون التنظيم القضائي التي يبين هوية السلطة القضائية ويعطي للمقابل صورة عن وضع القوانين وتطبيقاتها. في العراق هناك قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 النافذ. هذا القانون سُن في مرحلة تعد هي الفاصلة بين مرحلتين مهمتين من تاريخ العراق هما مرحلة الهدوء النسبي ومرحلة الحروب والحصار والكوارث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلد. القضاء في ذلك الوقت كان تابعاً بصورة كاملة الى الحكومة، وممثلا لرغباتها، بل كان فرعاً من الحزب الحاكم تديره مجموعة من الأشخاص المتنفذين حزبياً وحكومياً، واليوم وضع القضاء اختلف تماما، فقد تم فك الارتباط بين القضاء والحكومة، فلم تعد المحاكم جزءاً من وزارة العدل وإنما أصبحت هيئة مستقلة تسمى ( مجلس القضاء الأعلى) كما ان الدستور العراقي الدائم قد نص في المادة 19 منه على ان( القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون) وهي المضمون ذاته نجدها في المادة 63 أولا، لكن هذه المادة لا قيمة لها إزاء الصلاحيات الممنوحة لمجلس قيادة الثورة المنحل ورئيس النظام السابق في تعيين وعزل وفصل القضاة واشتراط انتمائهم للحزب الحاكم وكون المجلس المذكور هو المخول بتعديل هذا الدستور، كذلك كون هذا القضاء تابعاً لوزارة العدل وهذا ما يمثل انتهاكاً صارخاً لاستقلالية القضاء. كل تلك الإشكاليات والانتهاكات التي تشكّل قانون التنظيم القضائي في ضوئها نافذاً في وقت كان على البرلمان تعديل ذلك القانون وجعله يتناسب والمرحلة الجديدة.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة