نـدم

فيوليت أبو الجلد*

مهابة أن أكتب
حدثتُ الباعة عن الفاكهة المجرّحة،
عن الكعك المدوّر كحلقة مفرغة،
عن الحب كقربان في محترف الشعر،
عن مزج المسكرات في دماء الشعراء.

*****

إنه الوقت المناسب كي ننجب المخلّص
نحن المريَمات الحبالى بالصلبان.
كنت أتلصص من شق في الباب
حين أنهت المرأة الشهية رقصتها.
يااا يوحنا،
أين صوتك الصارخ في البرية ؟
أين صار النهر ؟
بماذا اغتسلت حين قطعوا رأسك؟
من يدحرج الحجر عن هذه المغارة؟
المسامير في أقدامنا،
في باطن الكف إله.
يا يوحنا،
ثمة راقصة حافية وحبلى بالموت،
انه الوقت المناسب كي تنجب نهراً جديداً،
كي تصدح في الوديان،
كي تغني.

******

رفقاً بالقدمين أيتها القامة المستعجلة،
رفقاً بالعمر الخجول أيتها البداية.
المرأة ربّتك، لم يكن لك إله غيرها،
هي اكتمالك المنكسر.
صخب الحدائق والجبال والوديان،
والوعر والسهل والطير.
أصغِ الى الوحشة الكامنة في سرّتها
حيث ينحسر الضوء، ينكشف الغيب.
لا تجادل ذراعيها
نديمان،
والطقس خمرٌ،
من فرط الندى وما يلمع في العتمة،
لا شيء يقال
أيها الجسد الحزين،
ماذا تفيد سمرتك في الحب أو في الحرب!
ماذا يفيد حزنك!
رفقاً بالقدمين أيتها اللاجدوى.

*******

من فتحَ الخزائن التي تعشق الفراغ
والحزانى والهاربين والرهائن والمنتحرين!
من دقّ المسامير على قمصان ممزقة
ثم علق الندم!
من أوحى للغرف الساذجة بأن لكل مقام مقالا،
بأن الأحذية المرمية في الزاوية نص سوريالي
لشاعر أعرج،
من اشترى للحقائب حقائب أكبر،
للسفر باباً وللحسرة نافذة
ثم علق الخيبة!
من رنّ جرس العمر
ليضيفنا هذا الوقت المرّ!
من رمانا من السماء السابعة
الى هذا السياق الدرامي المتصاعد!

******

سنحفر نفقاً طويلاً في قلب الجبل،
سنحفر تحت الصخر
وتحت أكمام السَحَرة.
سينبع الحُبساء والزهاد من مناسك الوديان،
ستنبع الوحدة من أرحام النساء،
الوحشة من أكفهنّ.
حفاة سنبحر خلف العطش،
لا حناجر تسعفنا، لا قوارب
ولا ماء.

******

يدي التي تعود آخر النهار بأغنية عتيقة،
يدي القاعة الباردة،
الجيب الفارغ ،
الكأس الممتلئة بمن غادروا.
يدي عكاز وجهي الذي يعرج بغيابهم،
يدي التي تعتذر من الأساور والخواتم،
المشققة في حقول الكتابة،
في حصاد الوجع،
يدي المتفرّعة من جذع من أحببت،
الأغنية التي تعود آخر النهار
في شريط معاد،
نشاز في القلب يا يدي.

*****

إنها قادمة … أصغِ،

وقع أقدامها بيتٌ من العتابا،
خماسيّة لزجّال يائس.
تخدش الطريق بحذر امرأة تدسّ السمّ
في صحن من تعشق.
أصغِ الى فحيح أنفاسها،
الى تململ كعب حذائها،
الى خصرها الواصل من دونها.
الى تحوّل وشوشات أساورها الى قهقهات
وهي تلوّح لرحيلها.

********

لو أنك المنسيّ في حِمم الشتائم،
لو رضيتَ كالمساق الى الهجر بالخبز وبالخمر،
لو أنك المهين والمهان،
أيها الوحش الراسخ في الأذنين،
أيها الطنين المتواصل،
يا ندمُ.
*******

أستردّ من الكتاب الأخير ليلي
كنشوة مرتجعة مع الشكر،
أمشي على الغريزة كمن مشى على الماء،
أدّخر الكلام لنهار آخر
ثم أدّخر النهار لكلام آخر.
أعاقب النادم مني بنزلاء الأغاني،
أبتر من الأسماء إسمي.

********

في الزاوية أجلس،
أستمتع برؤية النساء اللواتي خرجن مني الى نزواتهن،
الى حفلاتهن،
الى الخيّاطة ككذبة مثيرة في فيلم مصري قديم.
في الزاوية،
بعطر بريّ، بأفكار خرافية،
بإيمان مطلق بالأشباح تلهو في الدار المسكونة فوق غرفتي،
بكحل كثيف أسود فوق العين وفي القلب،
بشَعر أحمر وسحنة شاحبة،
أستمتع برؤية الرجال الذين خرجوا مني،
الى نزواتهم، الى حفلاتهم ،
الى أمهاتهم ككذبة عتيقة في فيلم مصري قديم.

****

الفتات المتساقط من موائد الجسد المولول كالريح،
العصيان على شفير ابتسامة
كي يتوه الدليل والخبر والرسول،
كي يدوخ العابر والعاشق والذليل.
امرأة تجول في خاطر الأغاني
تكتب سيرة الوشاة والصاغة والعطارين.
فوق أراجيح قامتها تُمارَس طقوس العبادة،
يسقط من شرفتها الشعراء غير مبالين،
وتقرع … تُقرَع في الشعر طبول الفجيعة.

********

أنيقة، مُترفة بالحزن،
بالندم أعقد شَعري
بالهجران أملأ بيتي.

*شاعرة من لبنان

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة