اعمام الثقافة الحرّة في المنظومة الإعلامية

متناولاً تجربة القنوات الفضائية العربية

كريم ناصر

يتضمّن كتاب د. محمد كحط عبيد الربيعي الموسوم “الدور الثقافي للقنوات الفضائية العربية” دراسة تحليلية وميدانية لنماذج مختارة من القنوات الفضائية، ولفتت نظرنا توطئة تعدّ من حيث المبدأ إشارة ذكية تحمل دلالة ما دوّنها الكاتب بوصفها معلومة أو استهلالاً لمقارباته التحليلية.. وإليكم هذه الفقرة الاستهلالية المشار إليها: “كلّ الذين سيطروا على البحار منذ ثلاثمائة سنة هم الذين حكموا العالم، والآن فإن المفتاح لا ريب هو الفضاء”..
من الممكن أن يكون البحث التحليلي في مجال التكنولوجيا مهمّة شاقّة، ولكنّها ممكنة وعملية، ولا سيما عند صيرورة انتقالها من مجال الاختبارات الى مجال التحوّلات العلمية، حتى تكون الحلول ناجحة ومنبثقة من صميم العملية التنويرية.
يسعى الكاتب الربيعي إلى إعمام ثقافة حرّة تسمح بالتعبير الحر، وتتوافر على صورة تحقّق في أقل تقدير مستوى من الشفافية في الأداء ومستوى من المقبولية في ميدان الثقافة المرئية، وهذا هو الهدف الرئيس ولا سيما أنّ علينا أن نأخذ بالحسبان الصيرورة الثقافية لإقامة توازنٍ ما يوازي عموماً ظاهرة الخرق المهني في المنظومة الفكرية للقنوات الفضائية، ومثل هذا المنظور يتطلّب نظاماً معرفياً متكامل الملامح والسمات والرؤى، فما يقدّمه الكاتب من مقاربات يمكن أن ندعوها بدائل، لكنّها في النتيجة لا تستطيع أن تثبت طويلاً أمام المارد الفضائي، فالحلول المقدّمة يجب أن تتجاوز مجال التحليل الأكاديمي إلى مجال الخبرة الموسوعية لتدخل في نطاق النظريات العلمية بغية تقويم الخلل المستشري في البنية الأسياسية للمنظومة الإعلامية بصوغ يمكن اعمامه لتمييز أسلوب ما ليصبح بعد ذلك مرجعاً معيارياً.
تعدّ خطوة الكاتب فريدة بل مهمّة نوعاً ما لتطوير البنية الثقافية، ويكفي فخراً أنه يقدّم لنا حلّاً ناجعاً لبناء منظومة ثقافية جديدة يكون مبدؤها الأساسي تقويماً يعمل على تطوير آليات الثقافة المعرفية، ولو تفحّصنا الدراسة بتروٍّ وإمعان لرأينا أنّ الكاتب قدّم لنا رؤية عمل واضحة عن منظومة إعلامية واسعة النظاق وذات سطوة آيديولوجية نمطية كما نعلم..
يستنبط الكاتب المعلومات الأثيرة من الجهات ذات العلاقة، وكذا من بطون المطبوعات الرقمية، ومن منظورنا تعدّ الدراسة أُنموذجاً فريداً لرفع مستوى الأداء الثقافي في مضمار الإعلام للوصول إلى نظام معرفي يوازي منظومات الدول المتحضّرة ولجعل الثقافة مادة ممكنة ومتداولة في قطاعات شاملة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة