مقدار الثقة بالصحافة؟

مقدار الثقة بالصحافة، المقروؤة خصوصاً، وتليها الصحافة المرئية والمسموعة يتوقف بالدرجة الأولى على الأمانة والصدق بنقل الحقيقة الموثقة. إذا قلّتْ هذه الأمانة تفقد الصحيفة مصداقيتها عند الجمهور والعكس صحيح.
كنا طلابا ندرس الصحافة بالسويد تطبيقيا في فصل مكثف مدته ستة أشهر من الدراسة والعمل الميداني. كنا خمسة أو ستة طلاب من مختلف البلدان. واحد من نيجيرا وسيدة برازيلية أربعينية متزوجة من سويدي، وفتاة صربية جميلة متزوجة هي الأخرى من رجل سويدي كان يعمل بقوات الأمم المتحدة عند الحرب بيوغسلافيا السابقة، وأنا من العراق، ولا أتذكر البقية. قالت لنا المعلمة واسمها الأول «سيفور»:
ـ أنتم كلكم عملتم بالصحافة ببلدانكم؛ أطلب من كل واحد فيكم الحديث عن تجربته في بلده. وعندما جاء دوري بدأت الكلام كالتالي: لا توجد صحافة حقيقية بالعراق الدكتاتوري. جميع الصحف هي صحف رسمية تخضع لاشراف السلطات الحكومية ولجان الإعلام التابعة لوزارة الإعلام. ولا يوجد بالعالم مثل هذا التقليد سوى بالدول الدكتاتورية، أقصد أن تكون هناك وزارة خاصة بالإعلام فقط. ونتيجة لذلك خضعت الصحافة الورقية إلى تدقيق وتمحيص كبيرين ومنظمين. الدكتاتور وأخباره تحتل الصفحات الأولى والثانية والثالثة وحتى الصفحات الفنية والرياضية. لذلك صار العراقيون عندما يقرأون خبرا سارا أو يسمعون بعض القرارات الجيدة التي تصدرها الحكومة يقولون متندرين: «هذا كلام جرايد». كنت أتحدث ببراءة وصدق عن تجربتي الخاصة، وبينما كنت بالطريق للجلوس على مقعدي سألتني سيفور الجالسة على كرسي الأساتذة:
ـ وما رأيك بالصحافة السويدية؟ كان ذلك قبل نحو عشرين عاما ولم تتوفر لي الخبرة الكافية للحكم على مقدار الثقة بالصحافة السويدية، وأعتبرتها بشكل عام لا تختلف عن الصحافة بأي مكان بالعالم حسب ثقافتي حينذاك.
قلت: 10%. ثم رددت السؤال عليها: وأنت؟ قالت أكثر من 90%. وقلت لها هل تثقين إلى هذا الحد بكلام الصحف. قالت نعم واضحة، وبمن اثق برأيك؟ قلت ثقي بالحقيقة الواضحة. أمتعضت سيفور ولم أكن لأبالي بماذا تفكر. لكن وبعد أكثر من عشرين عاما رن هاتفي برقم غير معّرف، وليس من عادتي الإجابة على أرقام غير معرّفة. قال الصوت أنا فلان من معهد الإحصاء الرسمي بستوكهولم أريد توجيه بعض الأسئلة لك. تفضل قلت له وأنا أعرف هذا المعهد المتخصص. ومن بين عدة أسئلة سألني السؤال التالي: كم تثق بالأخبار السويدية في وسائل الإعلام الرسمية؟ قلت بدون تردد: أكثر من 90%. وهو ذات الجواب الذي أخبرتني به سيفور قبل عشرين عاما.
علي عبد العال

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة