موبايـلــي!

يبدو أن التكنلوجيا الحديثة أخذت «تأكل» و»تغرف» شيئاً فشيئاً من جرف العادات والتقاليد والهوايات التي كانت سائدة في مجتمعنا من دون أن ننتبه الى ذلك بسبب انشغالنا بالظروف المعيشية والمشكلات والمصائب التي تلاحقنا من كل حدب وصوب وتلازمنا في حلنا وترحالنا وفي صحوتنا ومنامنا، وبفضل هذه التكنلوجيا التي باتت تفرض سطوتها علينا وتسلب إرادتنا في السيطرة على أشيائنا الجميلات التي توارثتها الأجيال عن الآباء والأجداد ، ما أن تستعيد الذكريات حتى تدرك حجم الهوة التي تتسع بينك وبين ما سبق .. وبينما أنت مشغول بهذا الحال والمنوال .. حتى تأتيك موجة أوعاصفة هائجة قوية تدفعك بعيداً.. وتشغلك
عمّا أنت فيه !
«الموبايل « أو «التلفون» أو الهاتف «المحمول» أو «الجوال» تعددت تسمياته وأحجامه وألوانه ومواصفاته والجهاز واحد، هذا الساحر العجيب أصبح رفيق دربك، يلازمك صباح مساء.. ويتقاسم معك الوسادة الخالية !
هذا الجهاز أصبح جزءاً لا يتجزء من حاجات ومتطلبات المجتمع صغاراً كانوا أم كباراً.. شيباً أم شباباً رجالاً أم نساءأً.. ليس باستطاعتنا الاستغناء عنه.. لا في السراء «الأعراس وألأفراح والليالي الملاح « ولا في الضراء «مجالس العزاء» لا سمح الله !
ما عاد اليوم «الكتاب» خير جليس أو أنيس في هذا الزمان كما قال السلف الصالح.. بل «موبايلي» هو من احتل مكان الكتاب… لأنه يحمل هذه الصفات والسجايا فأصبح الصاحب الذي نحمله طيلة اليوم ونتفقده بمجرد أن نتخلى عنه للحظات.. نبحث عنه ويبحث عنا بنغماته الساحرة التي لا تعد ولا تحصى، كذلك.. فمن كان يتباهى «بمسبحته» في الأمس القريب و»يطقطق» بها ويتمتع بنغماتها الشجية بعد أن «يهزها» ويتلاعب بها ذات اليمين وذات الشمال أو يلفها حول إبهامه تغيّر حاله اليوم وبات يتباهى بموبايله!
من محاسن «الموبايل» أنه يجعلك في تواصل دائم مع عائلتك وأصدقائك والمقربين منك
سواء في داخل أو خارج البلد !
لكن .. يمثل «الموبايل « أيضا ..حالة إزعاج وقلق لبعض «الأزواج» وخصوصا ً من قبل «الزوجات» اللواتي يقمن برصد تحركات أزواجهن من خلال المتابعة الحثيثة والاتصالات المستمرة وتكرار وترديد الجمل الشائعة ومنها «هسة انت وين» أو «ويّامن كاعد وشتسوي» و «شوكت ترجع» أو «خابرتك كَبل شوية وما رديت .. ليش؟» أو «خابرتك.. بس تلفونك جان مغلق.. ليش مغلق..؟» !
أسئلة حائرة تبحث عن إجابات شافية ووافية وما على الزوج إلا أن يجيب عنها مرغماً مع إثبات ذلك بالأدلة والوثائق والشهود !
سابقاً كانت الزوجة الحريصة جداً جداً من اللواتي يُوصفن بأنهن مصابات بداء الغيرة على أزواجهن.. كانت تقوم بعملية تفتيش يومية في جيوب «سترة» زوجها أو «جاكيته» عسى أن تجد دليلاً دامغاً يدين الزوج المسكين بالجرم المشهود ! لكن ما نشهده اليوم بعد اختراع واستخدام «الموبايل» أخذت الزوجة البحث والتفتيش في «موبايل «الزوج» سواء في المكالمات الواردة أو الصادرة أو في الرسائل القصيرة التي تعرف بـ « SMS» ويا «ويله» إن عثرت على رسالة غرامية عشوائية وردت سهواً.. فإنها ستفتح عليه أبواب جهنم على مصراعيها !
أيضا من الفوائد التي نجنيها من الموبايلات.. أنها حوّلت أصحابها الى صحفيين ومصورين محترفيين.. ظاهرة أصبحت شائعة في الأوساط الاجتماعية وهي التقاط الصور بواسطة «الموبايل» في الأمكان العامة والساحات والحدائق والأعراس والمناسبات والمؤتمرات والحفلات.. وما أن يتورط أحد المشاهير بالتواجد في تلك المواقع.. حتى يهجم عليه الجمهور شاهرين موبايلاتهم بوجهه.. لالتقاط صورة تذكارية معهم أو مع أطفالهم أو أصدقائهم.. ومن ثم نشرها على صفحات التواصل الاجتماعي مذيلة بتعليق.. بعدسة المصور الفنان المبدع ..علّو ….!
• ضوء
إذا غاب التنظيم.. سادت العشوائيات !

عاصم جهاد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة