السيّاب في عامه وداعش في بلاده*

حواريّة بين بدر البصرة وخليفة الظلام

حسام السراي

عراقان: أوّل وثانٍ، الثّاني يصبح الأول، والأول يصارع الثّاني في تبادل دموي للأدوار. جهتان: شمال، وجنوب، الموت يتجول في الشمال ويتبختر في الجنوب، المهم أنّ الكلّ في عداد الموتى، فمن لم يمت بسيارة ملغمة، فخيم النزوح، أنشوطات جاهزة لمن فر سواء من ابتكارات الأحقاد المسلحة أم من عنف الرايات.

قيل في يومٍ ما من العام 2014، إنّ للمسلمين خليفة على هدى النّصّ القرآني: “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً”، ولم يسمح للمُشكّكين بإكمال بقية النص: “أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ”. وشاءت الأقدار أن يقرّر العرب الاحتفاء برائد حداثتهم الشعريّة، بدر شاكر السيّاب في العام نفسه، كأنّه وبلاده، ابن ضيّع أمّه فظلّ يبحث عن شعرها الأبيض ووجهها المجعد، منذ أن كتب: “كأنِّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام:/ بأنَّ أمّه – التي أفاق منذ عامْ/ فلم يجدها، ثمَّ حين لجّ في السّؤال/ قالوا له: “بعد غدٍ تعودْ .. “/ لا بدَّ أن تعودْ..”1*.

كتبت الصحافة عن عواصم عربيّة استذكرته وستستذكره في فعاليّات لاحقة، لكنّ روّاد “الميديا” انشغلت أفئدتهم المرعوبة بسيرة غزاة جدد، نصّبوا لأنفسهم زعامة تتريّة بموديل حديث.

الخليفة يتخفّى والشّاعر يمشي بين الجموع، ولكلِّ منهما حديثُه وحالُه…

– صوت “نعل” يتوسّط سيارات الدّفع الرّباعيّ، يضرب الأرض بخطواته نحو الجامع الكبير بالموصل.

– همس بصريين، من موظف مفصول من عمله في الرّمادي بأنبار العراق.

– يصعد الخليفة إلى المنبر يلقي التّحيّة على أتباعه من السّفّاحين والضّحايا في الأوان ذاته.

– الشّاعر المفصول الذي أصبح حرّاً، لم يطمئن لبغدادَ، يشتاق إلى جيكور..

– يكبّر المؤذِّن: “الله أكبر.. الله أكبر” ويضع إبراهيم المسواك في فمه.

– “آه جيكور، جيكور؟/ ما للضّحى كالأصيل/ يسحب النّور مثل الجناح الكليل/ ما لأكواخك المقفرات الكئيبة/ يحبس الظّلّ فيها نحيبه..”2*، ترفع الأيقونة البصريّة صوتها منشدة باسم قريتها والحنين يضرب الجسد والرّوح.

– ينادي الأتباع في الخارج: “يا بغداديّ يا مرهبَ الأعادي”.

– يضحك الشّاعر بعد أن شاهد النداء في “اليوتيوب”، فيرد: “أتعلمون أيّ حزن تبعثه تمثيلية “أبو بكر”؟3*

– يسهو “عاصبو الرّأس” عن جيكور وصاحبها، ويتوهون في مرأى شيشانيّة التحقت بركــب الخليفـة، كانـت تجلـس قبـل ساعـات فـي «Starbucks» بمطـار  «Istanbul Ataturk Airport».. صمت يلفّ المكان، ثمّ يعلو صوت حركة أيدٍ على الزّناد تتأهب بهتاف واحد: “الشّهوة باقية والنّطف لن تتجمّد”.

– “أذكر، فيما أذكر، من أحداث طفولتي، انّه كانت هناك كلبة ذات جراء، ويبدو أنّها أخذت تؤذي الناس وتهاجمهم كلّما مرّوا إزاءها”.4*

– ينهض من مكانه، والنّساء والأطفال مأخوذون بالسّواد، سواد العالم وسواد الجلباب أيضاً.

-“نسيج اليد الدّاعشيّة/ رواها ظلام من الهاوية/ وغنّى بها عرب وكرد وعجم وعثمانيون وأبناء بيت الناتو”*5.

– يبدأ إبراهيم بخطبته: “إنّ الحمد لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له ومن يُضلل فلا هادي له..”.

– بجسده الناحل يستعيد جزءاً من “سفر أيوب” لكن بهاجس مختلف: “لك الحمد، إنّ رزايا 2014 ندى،/ وإنّ المصيبات من عبوات الجوار هدايا ابتسامات الخصوم في مجلس الأمن”*6.

-“يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون، يا أيّها الذين أمنوا اتّقوا الله وقولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم..” يطلق الخليفة نصائحه من دون أن ينظر إلى ساعته الروليكس.

– بقميص أبيضَ مفتوح، ومن جيكور يجيبُ أبو غيلان: “يا نهراً من الحقد/ تدفّق بالخناجر والعصي بأعين غضبى/ نجوماً في سماء شدّها قابيل بالزند/ فليتك حين هزّ الموصل الإعصار (لا درباً/ ولا بيتاً ولا قبراً نجا فيها) شهدت الأعين الغضبى/ وليتك في قطار مرّ حين تنفّس السّحر/ فقصّ على سرير السّكّة الممدود أمراسا”*7.

– السبّابة مرفوعة وتتحرّك يميناً ويساراً في خطبة الأوهام.. “إنّ إخوانكم المجاهدين قد منّ الله تبارك وتعالى عليهم بنصر وفتح ومكّن لهم بعد سنين طويلة من الجهاد والصبر ومجالدة أعداء الله ووفقهم ومكّنهم لتحقيق غايتهم فسارعوا إلى إعلان الخلافة وتنصيب إمام، وهذا واجب على المسلمين..”.

– “وغداً أموت غداً أموت/ وهزّ حفّار القبور/ يمناه في وجه السّماء وصاح ربّ أما تثور/ فتبيد نسل العار تحرق بالرّجوم المهلكات/ أحفاد عاد باعة الدّم والخطايا والدّموع”*8.

– اللهم اجعلْ جمعنا هذا جمعاً مرحوماً وتفرّقنا من بعدِه تفرّقاً مباركاً معصوماً ولا تجعل فينا ولا معنا شقيّاً ولا محروماً…” الأوهام مستمرّة.

– “يحمل كلّ ميّت ضميره/ يشعّ خلف الكفن المدثر/ يسوق عزرائيل من جموعنا الصّفر إلى جزيرة/ قاحلة يقهقه الجليد فيها/ يصفر الهواء في عظامنا ويبكي/ ماذا لو أنّ الموت ليس بعده من صحوة/ فهو ظلام عدم ما فيه من حسّ ولا شعور”*9.

– تتحلّق الضّباع حول خليفتها، وهو يهمّ بالخروج، فيبلغه معاونوه عن شاعر لم يعلن البيعة”. ببساطة هذه هي الأوامر لا أكثر: “الإتيان برأسه والذّهاب بصحبه إلى المحكمة الشّرعيّة”.

– صعب على البرابرة العبور إلى جيكور أو إلى المستشفى الأميريّ بالكويت، حيثُ الجسد مسجّى هناك برفضه وتمرّده المعلن: “أوشك أن أعبر في برزخ من جامدات الدّماء/ تمتدّ نحوي كفّها كفّ أمّي بين أهليها/ لا مال في الموت ولا فيه داء/ ثمّ تسدّ الباب كفّ الطبيب/ تجرح في جسمي/ وهاتفاً باسمي/ أسمع صوتاً ناعساً قد أجيب..” *10.

– “عَلِقوا رؤوسَ الشّعراء فوقَ أعمدةِ الكهرباء، واضربوا بَنَانَ تماثيلِهم في الشّوارع”.. يسمعُ ذلك فتى، من عابري السبيل، فينفضُ دمَ التاريخِ من على ملابسه، هارباً من العراق كلّه وتوجيهات الخليفة وأضداده أيضاً.

– يعتذر السيّاب لأبي تمام، فحطامه في الموصل، يسجّله ضحية أولى بين الشّعراء في بلاد “الشّمس أجمل” و”الظلام حتّى الظلام”، ويتعهّد الجيكوريّ للسّماء ضارباً بقوّة على صدره، أن يكتب هذه الأبيات على التّمثال إن أعادته الأيّام إلى الحياة: “إذا حجب الغيم ضوء الهلال/ يقولون هذا جناح أبينا وقد عاد بعد الصراع”*11.

……..

يعلنُ السيّاب في بيان صحافيّ توقفه عن استقبال المهنئين بعام الاحتفاء العربيّ به، حتّى ينتهي من مراسم العزاء على محو خلاصة حكمة سلفه الحوراني: “ذهب الحياء”*12.

نعم لم يبقَ حجر أو شاخص على حاله.. لكن ثمّة ما يرسخ في الأذهان، وإلى أبعد ممّا نتوقع، عقوداً وقروناً. من يدري ربّما كلّ شيء سيتغيّر ولن تحتفظ الرؤوس- أي رؤوسنا نحن- بشيء يذكر. يختم كلامه ويمضي للبحث في صفحته على “تويتر”، عن أحوال زملائه من الشّعراء، إن مسّ أحدهم شرٌّ من شرور التنظيم.

بعد قرن من الزمن، لا تجرؤ “الويكيبيديا” على كتابة تاريخ وفاة محدّد للسيّاب، إذ إنّها أثبتت تاريخ ولادته في (25 كانون الأوّل 1926)، فمروءتها لا تسمح بذلك. في حين وبنقرة الكترونية واحدة في “الكوكل”، تظهر الموسوعة الحرّة عشرات القصص عن نهاية خليفة ولد في العام 1971.

هوامش:

*1: من قصيدة “أنشودة المطر”.

*2: من “جيكور شابت”.

*3: تصرّف بمقطع من “أنشودة المطر”

*4: من مذكرات السيّاب في كتابه “كنتُ شيوعيّاً”

*5: تصرّف بمقاطع من “أساطير”.

*6: تصرف بمقطع من “سفر أيوب”

*7: من “المعبد الغريق”.

*8: من “حفّار القبور”

*9: من “الوصية”.

*10: من “أسمعه يبكي”

*11: من “يقولون تحيا”

*12: من قصيدةٍ لأبي تمام جاءَ فيها: “فلا واللهِ ما في العيشِ خيرٌ/ ولا الدُّنيا إذا ذَهبَ الحَياءُ”، ومن المعروفٌ أنّ “داعش” دمّر تمثاله في الموصل، حزيران الماضي.

*مادّة من موادّ مجلّة “بيت” الثقافيّة الفصليّة التي تصدر عن بيت الشعر العراقيّ ببغداد، وتنشرُ هنا بالتزامنِ مع نشرها في العدد الجديد “الرابع” الذي بدأ توزيعه في المكتبات ببغداد منذ أيّام.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة