الأخبار العاجلة

مؤتمرات وولائم

من المؤسف اننا وكما هو الحال مع بقية شؤون حياتنا المستباحة؛ لا نملك اية ارقام أو معطيات دقيقة عن عدد المؤتمرات والولائم التي طفحت على تضاريس هذا الوطن المنكوب بتحولاته (الديمقراطية) وعدالته الانتقالية. وهي معلومات يمكن ان تضعنا ومن دون منافسة على رأس الدول والشعوب في تنظيم مثل هذه المسابقات والكرنفالات من شتى الميول والاتجاهات الآيديولوجية والمكوناتية. في الوقت الذي اختزلت فيه سلالات بني آدم غير القليل من وجباتها الغذائية بما يعرف بـ (السندويج) وغير ذلك من الطعام السريع، تناغماً ومتطلبات الحياة الحديثة، التي فرضت عليهم (افراداً وجماعات) اهتماماً كبيراً باهمية الوقت، نعود نحن سكان هذه المضارب المفجوعة بالجوع المزمن، الى ذلك الارث المتخم بفتوحات الموائد والطعام.
أكثر من عقد على زوال سلطة أحد اشرس القوارض التي عرفها تاريخنا الحديث، وما زال القوم يقتفون أثر تلك القوافل الغابرة؛ في قضم عائدات الرزق الريعي، على ولائم الشراكة والمصالحة الوطنية، والتي خرج من جوفها الذي ابتلع كل تلك الولائم؛ شاغل التحالف الدولي والوطن والناس (داعش). لا أحد يعير اهتماماً لما تبقى من عقل وضمير في هذه المستوطنة القديمة، ليحدثهم عما حصدته كل تلك الولائم والمؤتمرات حول المصالحة الوطنية. ومن المسؤول عن كل هذه المصائب والنكبات التي حلت بنا، جراء تلك السياسات غير المسؤولة؟
لا يحتاج المرء الى جهد كبير كي يعرف نوع الضيوف والمدعوين لمثل تلك الفعاليات «الوطنية» فهم ابطال ونجوم كل الخيبات التي عشناها منذ لحظة الفتح الديمقراطي المبين الى آخر مؤتمر عقد في أربيل مؤخراً. ومع مثل هذه الكرنفالات العقيمة نتذكر ما قاله الاسلاف ذات عصر منكوب: (صرت كناكش الشوكة بالشوكة، اداوي بكم وانتم دائي). مثل هذه الطقوس والتقاليد المتدافعة عند أطراف الوليمة الازلية، لا يمكن ان تزول بيسر، خاصة مع النفوذ المتزايد لسدنتها وعسسها، بعد الشفطات الاخيرة لايراداتنا الريعية. كما ان تجربة عشر سنوات من «التغيير» أكدت وبما لا يقبل الشك على ان القوم لا يملكون غير هذه النشاطات والسلع النافقة يقدمونها لاوجاع الحشود المغيبة.
ويبدو ان مثل هذه الاستعراضات والفزعات (الولائم والمؤتمرات) ستبقى تتصدر قائمة الوصفات المحببة لحيتان المشهد الراهن، ما دامت مناخات الغيبوبة والخنوع هي السائدة حالياً، حيث التمترس على اساس «الهويات القاتلة» هو البوصلة التي تعتصم بها جموع المكونات والعشائر والملل. لكننا مع ذلك ليس امامنا غير استشراف سبيل آخر لا يفضي الى مثل تلك الموائد العابرة واللقاءات المتخمة بالضجيج والخواء، لاننا وكما قال سعد الله ونوس: محكومون بالأمل ..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة