الأخبار العاجلة

إيفان وتامينو وعرس الشركس

نزار عبد الستار

باسيل وإيفان
توقفت لحظة أن تحاشى المارة فراغاً يشبه المربّع. سبق له الانتباه إلى أنهما يسيران منذ ساعة في فراغات مهندسة، وأن لا أحد من زوّار الساحة الحمراء يقترب منهما.
كان برد ظهيرة موسكو قد كثّف حاجبيها، وأعطاها المعطف الرمادي وهجاً برونزياً. أراد لحظتها أن يسألها إن كانت تضع ليب ستيك، أم أن الأمر يتعلق بانعكاسات بلوزتها الحمراء، لكنه اكتفى بقول إن بالإمكان أخذ استراحة قصيرة.
مدّت بصرها إلى ما خلف ظهره، وسألته:
ـ هل تستطيع التخلي عن رغبة الاقتراب من كاتدرائية القديس باسيل؟.
ردّ بأنه سيفعل أي شيء تطلبه. ثم قال بعدها:
ـ يكفيني قربي منك.
ظن أنها لم تسمعه. أراد إخبارها بالفراغات المهندسة التي كانا يسيران فيها، وكأن الروس يعرفون، ويتجنبون التطفّل، إلا أنه انتظر أن يتشبّع بصرها بلون الكاتدرائية الزهري.
قالت:
ـ عن بعد يمكننا رؤية الجمال بعمق أكثر. لن نرى كل الألوان إذا اقتربنا منها.
أراد القول إن هذا ينطبق على أبنية المهندس بوستنك ياكفلوف فقط، ولكنه انتظر ريثما تنتبه لوجوده.
نظر إلى شفتيها المشبعتين بالحمرة، وهي تقول:
ـ لو أن القديس باسيل نفسه جاء إلى هنا لوقف عن بعد، ولم يقترب من كاتدرائيته.
أراد القول إن هذا ينطبق على القديسين لأنهم يعرفون أن الصلاة يمكن إقامتها في كل مكان، ولكنه انتظر أن تنظر إليه.
قالت:
ـ على سبيل المثال، لا يمكن رؤية هذه القباب البصلية إذا صرنا تحتها.
أراد القول إن الأمر مختلف مع الناس، لأن الاقتراب يعني أشياء كثيرة، وأنه كان يحلم لسنوات أن يراها عن قرب، وأن الاقتراب، على سبيل المثال، يجعلنا نعرف إن كان هناك ليب ستيك أم أن الحمرة في الشفتين ربانية، وأن الاقتراب يعطي شعوراً بالحقيقة، وأنه دائماً كان يريد التأكد إن كانت حقيقة. أراد قول كل هذا دفعة واحدة، إلا أنها سألته:
ـ كيف يمكن لشخص اسمه إيفان الرهيب التفكير بصناعة هكذا جمال؟.
أجاب بصوت متخمّر:
ـ إيفان أراد الاقتراب من الله.
قالت، وبصرها يرتفع أكثر:
ـ لا يحق لهذا الشرير الاقتراب من الله، لأنه فقأ عين المهندس الذي بنى الكاتدرائية كي لا يبني ما يضاهي جمالها.
أراد القول إن هذا ينطبق على القياصرة، والمنتصرين في الحروب، وعلى الرجال الذين يمتلكون الجميلات، ولكنها سبقته وسألته وهي تنظر إليه باستغراب:
ـ لماذا تعطي ظهرك لهذا الجمال الباهر؟.
أراد القول إنه يراها أجمل من الكاتدرائية، ولكنه استدار، ولم يقل شيئاً.

عرس الشركس
شاهدته يلقي نظرة على إطارات سيارتها المرسيدس السوداء قبل أن يعبر الشارع بسرعة إلى الساحة. أرجعت رأسها إلى الخلف متتبعة ذبذبات أنغام تسبح في الجو. قدّم لها ساندويشة الشاورمة، وهو واقف، من دون أن يضبط قياس المسافة بينهما. كانت قد ظنّت لوهلة أنه تاه، أو أنه ربما دخل في حوار مطوّل مع صاحب مطعم الريم.
قال وهو يجلس بجوارها على المسطبة، وأمامهما يمتد شارع الكلية العلمية الإسلامية:
ـ إنها بالبصل.
احتوت السندويشة بكفّيها، وقالت بأنها شعرت بالخوف. سألها إن كانت تود الجلوس إلى اليمين حيث العتمة أشد وأهدأ. قالت بأنها ليست خائفة من الأضواء، أو من أحد. نظرت إلى يده، وطلبت منه أن يأكل لأنه جائع أكثر منها.
قال، وهو ينظر إلى ركبتيه:
ـ لقد تذكّرت رقص الشركس. ذلك العرس الذي حضرته يوماً في فندق الانتر كونتينتال. لقد حدثتك عن هذا أكثر من مرّة. المكان على مبعدة خطوات من هنا.
قالت وهي تفك عقدة ايشاربها:
ـ أنت لم تتذكّر. أعتقد أن هناك حفلة عرس في الفندق الآن. أنا سمعت الأنغام أيضاً. أنت تعيش الآن عرساً جديداً، وأنا واثقة أنه للشركس أيضاً.
قال وهو يقلّدها بمسكة السندويشة:
ـ لقد حدث هذا منذ زمن بعيد، ولا أظنه يتكرّر.
تنفّست بعمق، فشعر أنها لا تريد الاستسلام:
ـ أنا أيضا أظنني جلست هنا في ساحة وصفي التل منذ زمن بعيد، ولكن أنا واثقة أنه عرس جديد. النغمات واضحة جداً. بعد قليل ستكتشف صحة كلامي.
نظرت إلى سيارتها السوداء، وشعرت أن السندويشة التي بين كفّيها جدّدت حرارتها. سألته إن كان يشعر باختلاف المكان عن الماضي الذي يعرفه، فقال بأن لا شيء تغيّر، والدليل أنه تذكّر عرس الشركس.
نظر إلى ركبتيه مجدّداً، وقال:
ـ الكاشير رفع حاجبيه، وهو يأخذ مني النقود.
أرته ابتسامة عريضة وهي تعتدل:
ـ لقد عرفك.
ضحك، وطلب منها ألا تبالغ، فقالت بأنها تعرف حقيقة ما يجري بعمّان أكثر منه، وعليه أن يصدقها. لامسته بكتفها، ولكن ابتسامتها انكمشت. قال بأنه يحب الليل في ساحة وصفي التل.
قالت:
ـ أنا واثقة من أن الكاشير تذكّرك.
ردّ بعد أن ابتسم:
ـ ربما هو بمزاج رائق لذلك أحب ملاطفتي بحاجبيه. لقد تكلمت معه باللهجة العراقية.
ـ ليس هذا هو السبب.
سألته بعد صمت:
ـ هل ساندويشتك بالبصل أيضاً؟
أجاب بارتجاف:
ـ نعم.
نظرا معاً إلى سيارتها المرسيدس السوداء، بينما النغمات البعيدة تزداد وضوحاً.

ناي تامينو
فضّلتْ أن يعودا مجدداً إلى شارع ماريا تريزا، لأنها تريد التأكد من شيء في تمثال مريم العذراء. حاولت ألا تشعره أنها اكتفت. أخذ رشفة من الواين، قائلاً إنه لم يتوقع أن يكون مطعم شندلر بهذه الجودة. سألته إن كان يحب رؤية منصّة التزلج التي صممتها زها حديد على جبل إيزل. ردّ بأنه لا يعتقد أن باستطاعتهما القيام بذلك، لأنها لن تقدر على احتمال مدينة انسبروك أكثر من هذا، ثم أشار بيده إلى ما وراء ظهرها متصنعاً المرح، وعرض عليها أن يتعرفا على طالع المساء من آلة الموسيقى.
كانت الغرفة الزجاجية المخصصة لشخص واحد غير منتمية لزمن المطعم، وغريبة مثل أنبوب مياه الإطفاء في الأماكن العامة. أغلق خلفها الباب، وأجلسها على الكرسي الذي يليق بكنيسة القديس يعقوب، وليس بغرفة موسيقى. كانت الآلة مرتفعة الأركان، وشبيهة بفاير بليس الأمر الذي أشعرها بجديّة الحظ.
أنحى، وطلب منها اختيار قطعة نقدية من التي يحتويها كفّه. بدت ابتسامته واهنة وهو يخبرها أن تتمنى شيئاً بعيد المنال لهذا المساء. كانت أنفاسه قويّة، ورائحة الواين عالقة بثيابه، وحين حجب بجسده الآلة عنها، تيقّنت أنه حزين.
أصدرت الآلة حشرجة خشبية قبل أن تطلق النغمات.
قال بعد صمت، وهو ملتصق بالكرسي:
ـ إنها أوبرا الناي السحري لموزارت.
رفعت رأسها إليه:
ـ هل هي حظ جيد؟.
وضع يده على كتفها قائلاً:
ـ إنه ناي تامينو السحري.
سألته من دون أن ترفع رأسها:
ـ ماذا يستطيع أن يحقق؟.
قال بينما هي تشعر بثقل يده:
ـ أعطته إياه ملكة الليل لأن به قوة سحرية تستطيع مساعدته في العثور على بامينا، وتخليصها من أسر ساراسترو.
تحوّل ليقف خلفها. شعرت أكثر من مرّة بصدره. أعادت رأسها إلى الخلف، إلا أنه كان قد ابتعد قليلاً. أحدثت الآلة حشرجة خشبية أخرى قبل أن تصمت.
سألته، وهي ساكنة على الكرسي:
ـ هل كان تامينو يحب بامينا؟.
ردّ بصوت بعيد:
ـ نعم يحبها بجنون، ويتعذّب من أجلها. يحبها إلى حد مفجع، وكان عليه أن يقاسي طويلاً، ويهلك من أجلها شيئاً فشيئاً، مضحياً بكل مسرّات وجوده، وبالحياة نفسها، فواجه الوحوش، وتاه في الغابات، وتوسّل الله، وبكى كثيراً.
سألته:
ـ هل سيساعده الناي السحري على الفوز بحبيبته؟
قال، وهو يعطيها يده لتنهض:
ـ زها حديد بريطانية الآن، ولم تعد عراقية.
نظرت في عينيه:
ـ هل الناي السحري حظ جيد؟.
أجاب، وهو يفتح لها الباب:
ـ ليس لي بالتأكيد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة