مقدمة كتاب «تمثلات الحداثة في ثقافة العراق»

فاطمة المحسن

هذا الكتاب استئناف لكتابي السابق “تمثّلات النهضة في ثقافة العراق الحديث” الذي صدر قبل أربعة أعوام، وهو يغطي مرحلة مهمة من عمر العراق الثقافي، تشكّلت فيها مقومات تطوّر غير مسبوق بدأت في أربعينيات القرن المنصرم، واستمرت أقل من نصف قرن.
حاولت في هذا الاستئناف متابعة ما أظنه خلاصة التاريخ الثقافي من حيث هو حالة متحركة ومتداخلة بين ما أنتجته “الحداثة” المفترضة في العراق، وما نتج عنها من استلاب فردي ومجتمعي. وحيث شهدت هذه الفترة في بدايتها أقله، قدراً من الاستقرار الثقافي، نتيجة انتشار التمدين وارتفاع عدد الملتحقين بالمدارس والجامعات، والمستفيدين من المؤسسات العلمية ومناهجها وفرصها، فقد كانت الحياة السياسية تُنذر بقلق وتململ وتحرك جماهيري وإعلان شبه متواصل للأحكام العرفية. بيد أن الثقافة العراقية بمجموعها، ولا أعني هنا الثقافة “العارفة” وحدها، كانت تحاول مواصلة النشاط داخل الهوامش التي يبقيها الاضطراب السياسي وتأثيراته على المثقفين ومعهم الناس الذين يحملون فكرة التمدين على أنها المستقبل المرتقب.
موضوع هذا الكتاب يتناول التطورات التي انتقلت فيها الثقافة من تمثلاتها عن فكرة النهضة، إلى تصوراتها الجديدة عن العلاقة مع “الحداثة” العالمية، حيث نشأ جيل من المتعلمين المتصلين باللغات الغربية وآدابها وعلومها من دون توسّطات الثقافات الفرعية، وعلى وجه الخصوص التركية والإيرانية. ولا يمكن احتساب ذلك التحول بعقد أو عقدين فقط، فالزمن في كل الفترات التاريخية يحمل قدراً من الديناميكية تتداخل فيه وتتقاطع المواقيت. ولكن سنوات الأربعينيات والخمسينات شهدا نضج مشروع الدولة العراقية، كما توضحت من خلاله ملامح طبقة وسطى مؤثرة سواء بمركزها الاقتصادي أو نسبة متعلميها، أو تعدد مواقع رعاة فكرة التمدين داخلها، إن كانوا من المنظوين تحت لواء السلطة أو المعارضين لها. بيد أن نزعة ” الحداثة” المفترضة التي ارتبطت ببناء الدولة الوطنية، وإقامة المؤسسات العصرية، ومحاولة احتواء الجماعات القديمة، ظلت تتفاعل داخل المجتمعات المتعلمة والفئات التي عدت آلية التطور أقرب إلى الحتمية التاريخية. لذا بدت فكرة “الثقافة” نفسها غير قادرة على أن تقدم تفسيراً مقنعاً لحالة عامة، أي ما يعتقده الناس عنها، وما يسلكون من أفعال تعبّر عن تأثيراتها.
لعل الاحتكام إلى سيرة المثقفين وحدهم، لا تدلنا على طرق عيش الناس وعمرانهم وسبل اجتماعهم، ولكن المثقفين، وفي طليعتهم الأدباء والفنانون والمتعلمون عموماً ، يفتحون نافذة على نمط من الذهنيات العامة التي خرجت من بيئتها ومن تصرفات وسلوك أناسها، تمثلاتهم عن “الحداثة”. لذا كانت العودة إلى المثقف الفرد، والمثقف المنخرط في حركة المجتمع من بين انشغالات الكتاب.
حاولت أن أضع في هذا السياق، تصورات عن فكرة أو مفهوم “الطليعة الثقافية”، ولعل “الطليعة” و”الطليعية” من بين المصطلحات التي حملت الكثير من الالتباس، ولكن الذي لا يُخْتَلف عليه أن التعريفات المتعلقة بها أو وحولها، لا تخص مرحلة معينة من عمر الثقافة، ولكنها تفترض مواصفات شديدة الارتباط بطبيعة التحولات في مكان وزمان محدد. لذا اشتملت مادتي على محاولة التفكير في مفهوم المثقف الطليعي والثقافة الطليعية في العراق الحديث بما تحيل إليه الفترة موضوع الدرس، حيث كانت خطاباتها تغذي فكرة الطلائع المتقدمة كشيفرات تستعملها التنظيمات التي تسمي نفسها بـ” الطليعية” و المثقفون الذين كانوا في تصوراتهم عن المستقبل، أقرب إلى الجماعات التي تعيش طوباية الفكرة نفسها.
في الأربعينيات أو في زمن يسبقها نشأت خطابات المثقف “الليبرالي” التي تبنّاها الأدباء حتى أولئك الذين عارضوا السلطة، وكان أكثرهم ينتمي إلى هذا المعسكر. ولا يمكن الجزم ما إذا كان بمقدورنا استعمال هذه المفردة لتحديد سمات مثقف ذلك الزمن، ولذا لم يشغلني المصطلح، قدر ما شغلتني الشراكة بين المثقف والسلطة في تبئير صورة المحامي والبرلماني، وفي اتخاذهما ملامح محددة يسعى إليها المثقف عبر الواقع أو عبر تخييله في القصص والأشعار.
وفي الخمسينيات تضاعف إيمان المثقف بدوره كمعبّر عن هموم الشعب، بل توضّحت لديه نزعة الانحياز إلى صوت الطبقات الفقيرة، حتى اتخذت تلك النزعة صيغة الحلول في روح الشعب وتمثيله في الأدب أو الفن، عبر لغة بدت على درجة من الحميمية ، مع شحنة عالية من التعبير الذاتي واستعمال العامية أو الاقتراب من طرق إعرابها في المدونات الحديثة.
كما شهدت نهاية الخمسينات بروز ظاهرة الشاعر “ابن الشعب” ولعل مظفر النواب الذي كتب بالعامية الجنوبية يمثّل خلاصتها، حيث اللقاء بين مثقف المدينة ولغة الريف، قد دفع فكرة الالتزام إلى مواقع غير مسبوقة في الخطاب الشيوعي. كانت قصائد النواب تمثّل الذروة في فكرة التمرد والثورة حتى على تعليمات الشيوعية الكلاسيكية، لأن هذا النازع في قصائده ارتبط بتصعيد الآيروس، فقدم أجمل قصائد الحب المكتوبة بعامية الأهوار وهي المستنقعات المائية في جنوب العراق. لذا أفردنا لهذا الشاعر حيزاً من بين البورتريهات التي قدمناها عن مثقفي فترته.
كانت أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين في العراق زمن الإعداد لظهور المثقف الثوري، المثقف المشارك في مخاض تشكّل المعنى الجديد للحداثة المجتمعية، فكان الالتزام يكتسي مسحة قدسية تضع المثقف في خضم التصورات المتغيرة لمفاهيم على درجة من الاختلاف، فغدت الماركسية والوجودية تشكل بؤرة الصراعات الخفية بين الجماعات الثقافية وداخل الأنموذج الطليعي الواحد.
وقد مهّد منتصف الخمسينيات لظهور النزعة القومية المنتظمة تحت لواء الأحزاب والتنظيمات العروبية، وكانت في السابق قد بكّرت في الظهور بين النخب العسكرية التي حكمت العراق، وغدا منظرّها الأبرز في العالم العربي، ساطع الحصري، واحداً من أهم صنّاع مصطلحاتها ومدوناتها الرئيسية في عراق الثلاثينيات والأربعينيات.
التحولات المتسارعة وانفتاح العراق على الثقافة العالمية، أبرزا النزعة “الذاتية” بوصفها موقفاً حداثياً من العالم، فالذات وحريتها أصبحت محوراً للعلاقة مع الآخرين . ولا يمكن الزعم بأهمية ما خلفتّه تلك النزعة من أثر على النتاجات التي كانت بمعظمها تحاول التعبير عن هموم الناس والكادحين، ولكن صلة الطليعي بالحداثة العالمية خففت أو أنهت الجانب الوعظي ـ المنبري في تعبيره، بل حاول المثقف الجديد إيجاد هوامش لخطابات تعود إلى عالمه الحميمي وعاطفته الشخصية. استطاع شعراء قصيدة “الشعر الحر” تقديم أنفسهم كطليعة ثقافية عبر تحويلهم التجربة الشخصية إلى تجربة شعرية عامة، فكان الصوت الفردي علامة من علامات الريادة الشعرية. كذا الحال في غير ميدان إبداعي، فـ”الأنا الإبداعية” وهي معادل لوعي المثقف الذاتي، كانت شديدة الارتباط بالنزوع إلى الابتكار، فكان أغلب الفنانين والأدباء والباحثين الذين ظهروا في تلك الفترة، رواداً ومؤسسين في حقولهم، فقد ظهروا في خضم التطورات المتزامنة في غير ميدان، وكأنهم يعيدون اكتشاف أنفسهم ومن خلالها فكرة القطيعة أو الاستمرار مع خطابات الثقافة التي سبقتهم.
وبسبب اتساع نافذة الثقافة العراقية وانفتاحها على العالم، أصبح شعور المثقف بالاغتراب من بين علامات حداثته، فالثقافة العالمية الحديثة، تضمر في كل أنواعها فكرة الاغتراب، ولكن هذا المفهوم في البلدان الطرفية يحمل قدراً من الاختلاف عند تحري أسبابه وصيغه، فهو ينطوي على مشكلة تتعلق بالبيئة الطاردة للثقافة والمتقاطعة مع فكرة الحداثة لأسباب معروفة. بيد أن تأثيرات الاغتراب كنزعة فكرية غربية، وتعبيراتها في الفن والأدب، كانت بمنزلة إعلان المثقف العراقي عن هوية حداثية لنتاجاته.
كانت الخمسينيات في الشرق الأوسط بمجموعه، زمن ازدهار الشيوعية، حيث شكّلت الماركسية في ذلك الوقت عصب الثقافة المتحرك، تجاوباً مع ما يمكن تسميته روح العصر ” Zeitgseit ” ( ) فجاذبية الفكر اليساري والماركسي تصاعدت بعد الحرب العالمية الثانية، وفي غير بقعة جغرافية بما فيها معاقل الثقافة الرأسمالية. ولعل الحملة المكارثية على المثقفين اليساريين في أميركا الخمسينيات، كانت بسبب الخوف من تأثيرات الشيوعية على كل الحقول الإبداعية . وفي ظلال روح العصر نشأ “المثقف الثوري” في العراق وسواه من البلدان العربية. هذا المثقف الذي تبنّى مفاهيم مثل الواقعية ونظرية الانعكاس وصراع الطبقات والمادية التاريخية والديالكتيك، وسواها من المصطلحات المستمدة من القاموس الشيوعي، وكان يتحرك حول محور التنظيم الشيوعي، سواء كان داخل الحزب أو خارجه.
غدا الجدل حول النتاج الثقافي يلتقي ويفترق حول مفهوم التغيير أو صيغته المنقلبة على السلطة التي كانت توصف بالإقطاعية والتبعية إلى الغرب. جاءت الأحداث الكبيرة في تاريخ العراق التي بدأت في الرابع عشر من تموز 1958، لتحسم مفهوم “الثورة” بعد أن مهدت له الأدبيات على الورق وخطابات المثقفين وأعمال الفنانين، والانتفاضات في الشوارع والمدارس والجامعات. وهذا ما حاولنا مقاربته في درسنا، وعلى وجه الخصوص دور المثقف الطليعي وموقفه من “الثورة” تلك الموجة العاتية التي طوت الثقافة تحت جناحيها.
شغلت ” المدينة أو الجغرافيا الثقافية حيزاً أساسياً في تتبعنا أزمنة وأمكنة التحولات الجديدة في العراق، وبخاصة في العاصمة بغداد التي كانت تحمل قيمة رمزية للحداثة الناهضة في العراق. الكتابة عن التجربة العراقية في بناء المشهد الجديد، تعني الحديث عن التشكيل المديني للمكان، حيث يصبح العمران الاختبار الأول في صناعة المناخات الثقافية. كيف تفاعلت تأثيرات العواصم الغربية مع عناصر التقليد في المدينة، وكيف كان بمقدور التجربة العراقية إنتاج جمالياتها الخاصة وتصوراتها عن نفسها ومفاهيمها المتبدّلة حول فكرة التمدين والعمران؟ هذا ما حاولناه في تتبعنا لبعض معالم الحداثة الهجينية التي تجمع بين أزمنة وأمكنة تنطوي على تناقض وابتكار واجتهاد في مفهومها عن المدينة العصرية، فبغداد العاصمة كانت تشير كمكان رمزي إلى هوية العراق ومعالم سلطته ونوع تمثلاته لفكرة التمدين على مستوى الإدارة والسياسية والعمران والتعليم والفن. ويمثل فن العمارة الذروة في نجاح المشروع الحداثي العراقي أو مشروع الصفوة الثقافية التي اتخذت من العمران سبيلاً للتعبير لا عن تخطيط المكان وتحديد فضاءاته فحسب، بل وعي بأهميته التاريخية أيضاً.
ولا يمكن الكتابة عن أي منجز للتطور، من دون النظر في تضاريس نظامه التعليمي، لأنه البيئة التي تنتج التمدين والمثقفين ومتلّقي الثقافة ومعممي نماذجها. ولذا كان درسنا حول هذا الجانب يشمل الأبعاد التي توضحت من خلالها نتائج بناء المؤسسة التعليمية وفي أهم مفصل فيها وهو النظام الأكاديمي، حيث ظهرت البحوث في ميادين مختلفة وفي مقدمتها التاريخ وعلم الاجتماع والانثربولوجيا.
وكان لابد أن نستكمل درسنا عن تلك الفترة الحاسمة من عمر العراق، بما أنتجته من اضطراب سياسي وعنف شمل الثقافة والمثقفين، بالتوقف عند الثقافة الستينية التي نضجت فيها مشاريع وخطابات المثقفين الخمسينين، كما ظهر جيل جديد عدّ كثرة من أعضائه أنفسهم في قطيعة مع الثقافة الخمسينية. ومع إن الستينات تستحق كتاباً قائماً بذاته، بيد أن ما حاولناه عنها هنا، يبقى مشروعاً جديراً بالاستئناف.
أنجزت هذا الكتاب في ظرف عصيب من حياتي، وكان مرضي الصعب أحد أسباب انقطاعي عنه فترة من الزمن، ولكنه كان محفزّاً كي استكمل فيه حياتي الطبيعية. فإلى كل الشهود على المرحلة التي كتبت عنها، ولم يجدوا في هذا الكتاب حيزاً لإنصاف مواقفهم أقـدم اعتـذاري مسبقـاً.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة