يوسف الصائغ.. المثقف البطل والمثقف الضحية

استعادة الشاعر يوسف الصائغ تثير الكثير من المفارقة، ربما لأسباب تضع الصائغ في اطار التوصيفات والصراعات التي يعيشها الواقع الثقافي والسياسي العراقي، وربما تخضعه إلى أحكام قاسية وملتبسة.. لكن كل هذا لايمكن أن يكون سبباً لطرد الشاعر من التاريخ أو الذاكرة؛ لأنه ظل طوال أكثر من نصف قرن يصنع السعادات الشعرية، ويثير أيضاً الكثير من الأسئلة الشعرية.. مابين السعادات والأسئلة ستكون هناك مناطق مثيرة للجدل والاختلاف، وهذا بطبيعة الحال جزء من أزمة الصراع مابين السياسي والثقافي والآيديولوجي، أو مابين صورة المناضل المتوهمة، وصورة الخائن الافتراضية، تلك ظل البعض يؤسس حولها الكثير من المواقف والأحكام..
يوسف الصائغ- برغم كل التقاطع- سيظل رمزاً مهماً من رموز الثقافة العراقية، ورمزيته تتجاوز التوصيف السياسي الملتبس، باتجاه تكريس فعالية حضوره الشعري الرائد والمجدد، فضلاً عن حضوره في التحولات العميقة الحادثة في بنية المشهد الثقافي بنحو عام…
غياب الاحتفاء الرسمي والثقافي بيوسف الصائغ لايعني تغييب حضوره الفاعل في الحياة الثقافية، سيما وان الأحكام الثقافية في التاريخ العراقي وحتى العربي لايمكن تبرئتها من حساسية المرجعيات السياسية والآيديولوجية، وهو ما جعل الصائغ الأقرب إلى الضحية الثقافية أو القربان الثقافي لتاريخ مرعب من الأدلجة التي أكلت الكثير من أحلام وأنويات المثقف…
محنة يوسف الصائغ تعكس محنة التوهم المرعب مابين السياسي والثقافي، أو رعب الأقنعة التي يلبسها البعض، ويشيع لها البعض الآخر..
الصائغ الشعري والاعلامي صار ضحية للصائغ السياسي، إذ لم يشفع تاريخه وحضوره وشهادته تورطه المريب في ممارسة وظيفة مشوشة للسياسي، أو حتى التعبير عن خطاباته ووظائفه وشتائمه..
السياسي العراقي المتضخم بسلطته وآيديولوجته وعصابه لم يستطع- مع يوسف الصائغ- الا ممارسة قسوة الطرد والتشكيك بالشاعر، ليس لأن الشاعر لبس معطف السياسي والعقائدي، بقدر ما أن الشاعر لم يستطع أن يصنع عتبات حقيقية لسلطته المعرفية، أو لوجوده، فضلاً عن ان محنة الصائغ كشفت عن هشاشة وخواء الأنتلجسيا العراقية التي تعاملت للأسف مع الصائغ بوصفه شاعر البراءة الحزبية، وليس الشاعر القلق والمزاجي والحالم.
اليوم وبعد سنوات من رحيل الصائغ يمكن أن تثار الكثير من الأسئلة، والكثير من المواقف والأحكام، ويمكن أيضاً أن يكون البحث النقدي في ملفات التحولات الشعرية دافعاً لاستعادة الصائغ بوصفه علامة مهمة في هذه التحولات، وصوتاً شعرياً من الصعب تجاوز منجزه وأثره، مثلما أجد إن استعادة الصائغ يمكن أن تكون مدخلاً للحديث عن ما يسمى «التسامح الثقافي» ونزع الفؤوس واللافتات، باتجاه أن نكون أكثر أنسنة ومسؤولية في النظر إلى صورة افتراضية للمثقف المارق والخائن، باتجاه صناعة بيئة ثقافية أكثر قبولاً للآخرين الذين ارتبط وجودهم بتاريخ مرعب وغامض من السياسات والحروب والصراعات والوقائع.
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة