العلاقة الارتدادية مابين السياسة والاعلام

رياض عبد الكريم *

لعل من البديهيات ان اذكر ان الواقع السياسي في اي بلد لابد ان يستند الى سلسلة من الركائز لبناء كيانه السياسي وتحديد اسس اهدافه المستقبلية وتفعيل نظريته على وفق الاطر الايديولوجية والفكرية وتوافقا مع المرحلة التأريخية التي يمر بها البلد ، ولعل من اولويات هذه المرتكزات هي القاعدة الجماهيرية ، والبرنامج السياسي والانتخابي والقناعة الشعبية بالاهداف والشعارات والوعود التي تطلق لكي تدفع بأتجاه توسيع الرقعة الجماهيرية التي تسهم في خلق حيز واسع من المساحة التي يجري فيها التحرك من اجل الكسب والمناصرة ، وطرح الافكار والمناقشة ، ومن ثم التأكيد على حقيقة المصداقية والتوجهات الوطنية التي تؤطر افكار وبرامج الحزب ايا كان اتجاهه طالما طرح نفسه كمشروع لتحقيق الافضلية للشعب والقضاء على الاستبداد والدكتاتوريات والقمع والاضطهاد ، وهذا طبعا ينطبق على الاحزاب التقدمية التي تنظر الى مصلحة الشعوب وتنادي من اجل حياة حرة كريمة له في محاولات نضالية مختلفة الاساليب للارتقاء به الى مستويات راقية تبعده عن الظلم والفقر والعزل والتهميش وتقربه الى مستويات العيش الرغيد الذي يحفظ حقوقه ويحدد واجباته
ولو قربنا هذه المفردات الى حيز الواقع السياسي العراقي في صيغة سؤال : هل تحقق ذلك فعلا ؟ وهل جرى التعامل مع كل هذه القواسم المشتركة بصيغة الفعل لا القول ؟ اقول للاسف كلا لم يحصل ذلك !! والاسباب عديدة وقد ذكرت في عشرات المقالات ولااريد تكرارها ، ولكنني سأكتفي بالأهم حسب تقديري الخاص ، الا وهو العلاقة الارتدادية مابين السياسة والاعلام !!
فالاعلام يشكل الجزء الكبير من نجاح العمل السياسي ، كما انه يشكل الجزء الأكبر من فشل العمل السياسي ، وفي كلا الحالتين فالاعلام والسياسة وجهان لعملة واحدة ، فكل وجه يمثل نظرية فيها من التآمر بقدر مافيها من الاصلاح ، والعملة هي القيمة الوطنية العراقية التي تكاد ان تضيع مابين نظرية المؤامرة ونظرية الاصلاح ، وهنا تكمن خطورة المشهد السياسي والاعلامي العراقي ، ذلك ان استبداد الخطاب السياسي ومحاولة هيمنته على شتى التناولات الاعلامية اسقط بعض المؤسسات الاعلامية في جدلية المهنية من جهة ، والحرية من جهة اخرى ، والنوازع النفسية والانتماءات الايديولوجية المسيسة من جهة ثالثة ، وعلى هذا الاساس يمكن ان تضيع القيمة الوطنية التي ينشدها كل الشرفاء والاوفياء لهذا البلد في خضم صراع مابين السياسة والاعلام يفتقر الى الحكمة والتعقل والاتزان متجها نحو سلم الانحدار الذي سوف يلغي او ينهي مرحلة اكثر من عشر سنوات من التجربة التي لااقول عنها انها كانت ناجحة بالتمام والكمال ، الا انها تحسب تجربة يمكن ان يقاس من خلالها حجم الفشل او النجاح اذا ما توفرت لذلك النوايا الصادقة ونكران الذات وحب واحترام الشعب والمصلحة الوطنية التي يسعى لها ويتمناها كل العراقيين .
انطلاقاً من ذلك فأن المنظومة السياسية بقيت تتعامل مع المؤسسة الاعلامية على انها صيغة التقديم والايصال ، التلميع والتزيين لبعض وجوه الاطراف السياسية من خلال توليف وترتيب التصريحات والخطاب السياسي وصناعة الازمات لاغراض ونوايا تهدف الى الترويج لاهداف وغايات استباقية لبلورة قضية ما تكرس للكسب المضاف او التسقيط المغرض ، وهذه الحالة كانت وماتزال احد اهم نقاط الخلافات السياسية والتي بدأت تتعمق في الاونة الاخيرة مبتعدة كلياً عن حيز التوافقات والحلول ، وبالمقابل فأنا لاازكي كل المؤسسات الاعلامية من حيث المهنية الصادقة والامانة الصحفية في نقل الحدث ، اذ توجد بعض من هذه المؤسسات من تتصيد في الماء العكر وتحاول ان تتجاوز الحقائق في اتجاه فبركة الاوراق وخلق الازمات وتصعيد المواقف وتخريب التجربة العراقية كونها مسيسة وتخدم اهداف اسيادها سواء اكان هؤلاء من داخل العراق ام من خارجه .
لقد اصبحت السياسة في العهد الجديد بمنزلة صناعة وطنية ، لانها تخضع اساساً للفكر والثقافة والمعرفة وتداخل الرأي والرأي الآخر ، وهذه المفردات كلها قد تأثرت وتطورت بفعل التقدم الهائل للتكنولوجيا التي دخلت بقوة بالعمل السياسي من خلال سرعة التواصل ودقته بفعل الانترنيت والتواصل الاجتماعي والفيس بوك ، ونقل المعلومات عبر الاقمار الصناعية ، وهذه الامور قد انعكست ايجابياً على العمل الاعلامي بل اصبحت هي ادواته اليومية في الفعل والانتاج ، لذلك نجد ان حتمية هذا التطور قد انتج تداخلا اساسياً وكبيراً مابين العمل السياسي والعمل الاعلامي الذي يجب ان يستثمرعلى وفق مفاهيم حضارية عصرية تؤطرها نوايا طيبة وحسنة وتفهم واحترام لطبيعة عمل كل منهما ،لأن الفصل او الاختلاف فيما بينهما سيؤدي حتماً الى شرخ كبير في تجربة العراق الفتية ويخلق حالة من الارباك والتشويش سيكون ضحيته الشعب العراقي ، لذلك فأن العمل الاعلامي مكملا وموضحاً الصورة الحقيقية للعمل السياسي بكل سلبياتها وايجابياتها ، وهو بالوقت نفسه مراقب وليس رقيباً على الاداء السياسي ، لأن هذا الاداء مرتبط بالشعب الذي يفترض ان يكون القضية الاولى في المنهج السياسي .
كما ينبغي ترسيخ مفهوم السياسات العامة وصناعتها ودور الاعلام في هذا المجال لأن ذلك سيشكل نقطة بداية اساسية لتحديد نمطية العلاقة بين السياسة والاعلام وفرصة ديمقراطية لمناقشة سبل الارتقاء وتطوير العمل الاعلامي والسياسي وتنمية فرص الحوار الذي نريده ان يخضع للمهنية والشفافية في حدود خدمة المصلحة الوطنية وتعميق المفاهيم الحضارية من خلال التعامل بعفة الضمير الحي في كلا المجالين السياسي والاعلامي.

• من اسرة تحرير الصباح الجديد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة