الأخبار العاجلة

عبد العظيم فنجان يفوز بوردة!

حسن جوان

بعد إصداره ثلاثة كتب شعرية تتناول ثيمة الحب أو تتضمنه في عناوينها، أصدر الشاعر العراقي عبد العظيم فنجان مجموعة رابعة بعنوان «كيف تفوز بوردة؟!» عن منشورات الجمل ببيروت -2014. يقول الشاعر عن إصداره هذا في توسّل الحب مقترحاً حياتياً في زماننا المثقل «لاشك أن قصيدة الحب، كي تنجو من شرك السهولة والميوعة العاطفية، تتخذ لها صيرورة خاصة، فهي ليست وليدة الحب وحده أو التأمل وحده، وإنما هي نتاج تجربة حياة شائكة تشمل معها تجربة الكتابة نفسها، وهذا هو حال قصيدتي، فبعد غوص عميق في محنة العصر، بعد تمزق كبير في الذات وفي المجتمع، وبعد انهيار الايدولوجيا، ماذا بقي من الإنسان غير ذلك النور الضئيل في قلبه؟».
عبد العظيم فنجان هو شاعر اتخذ من ردوده الجمالية راية تزدري ما يجترحه القبح والخراب اليومي في بلاده، وما تحتمله غيمة البارود من ظلال مميتة. يمسك كحارس ليل تأتمنه المنامات بمذارة القصيدة ليطرد سواد الأجنحة المدوّمة فوق الأعين المغمضة بالحلم لا باليأس. شاعر القصيدة لا القصدية. فهو لا يصطنع الكتابة..هو يخرج معها كحبيبة ظليلة، كجوّابين خبر لذة التيه في أزقة الروح، ليروي ما تبقى من حروفها في جيبه المثقوب. يُخطئ من يظن إن بعض ثيابه دبّ فيها اليأس.. برغم إن ذراعية تتدليان أحياناً عند حافة المركب. هما ذراعان مسدلان لتدب فيهما الموجة، والريح التي تغدق على مركبه وقد لوّحه المغيب.. وطوّح أغنيات طيره. لكنه يستقبل الليل، كما مداد أبدي لكلمات ستلد حتماً تحت وطأة نظرته. لقد عاش الشاعر قصائد لم يكن في نيته كتابتها يوماً، لذا..عندما تصغي إليه، لا تحسب انك تستمع إلى عبارات قصيدة بقدر ما انك إزاء شاعر يروي لك حباً أو حادثاً خارج نظم الكلام المعهودة. وهذا الخروج عن النظم وحده يضع التلقي في غابة من الرؤى ومناخاً يمطر مواسم من الحرث. لا يتحدث عن زمردة التيجان، ولا يكتب في لمعانها الخابي مرثاة الأفول، هو يتبتل لنظرة الحب التي تركتها امرأة عبرت فوق صرخة الطغيان.. أو لامست وهج أبدية مرسومة على جدران لم تعد هنا، وجوهاً ملأت الكون بريقاً وأنوثة، لوناً من الولادة والجمال نحن في أشد الحاجة إلى الوثوق به. الحب بديلاً عن عالم مختل، وحلاً له في آن. لقد طرح الشاعر إيمانه في أشدّ لحظاتنا عتمة، وراهن على سلامنا. هو لا يأمر بالجوع، ولا ينهى عن الحلم، لكنه يشهر الحب كتاباً، ويقترح قناديله أدلة لتيهنا وضلال أفئدتنا. كيف تفوز بوردة هي امتداد مفتوح لقصيدة حب، وذكرى مدينة، كما هي تاريخ للعصي التي انهالت على ظهر البلاد منذ أتونا بشتم «النبي نوح» الذي أغرقت وصاياه البلاد وأبناءه المردة على الأنبياء، لا على الماء. صحبة الوردة وعشبة العودة التي لم يفز بها غير العاشق لا جلجامش. دورة أخرى وباب مغارة آخر يتفتح بكلمات سرية لا يدركها أحد، لكنها ليست معزولة، هي بوابة أخرى في أيامه، وفي مجموعاته الشعرية السابقة « أفكر مثل شجرة» و «الحب حسب التقويم السومري» وأيضاً تتمة الكتاب في «الحب حسب التقويم البغدادي». ما يبدو في منجز فنجان عرافة، ونبوءة، وإمساكاً بعصا العارف، لا يتخطى رغبته في الغناء والنشيد في آفاق روح مفعمة بالرؤى ولكن هذه العصا إنما يمسكها ليختط بها جهاته، ويهش بها على كلماته. لكنه إذا ما رأى ناراً..أشاح بوجهه عنها وأدار عنها ظهراً بحثاً عن نار أقلّ يقيناً وأبعد عن تكاليف ستوجب الوصايا والدم. في «كيف تفوز بوردة؟» نتلمس شعرية تمسك بلحظات جوهرية في العابر من الأشياء، تستوقفك ببراعة مرهفة – ناهيك عن عنوان المجموعة نفسها- عناوين مثل» كيف تصنع أسطورتك الشخصية؟» ومثل «الهيكل العظمي للحضارة» وكذلك الرغبة الملحة التي يصنعها عنوان شائق مثل «أخبار المرأة التي سافرت على مركب أتونا بشتم». تستهل المجموعة الشعرية ثلاثة تصديرات يصلح أي منها مفتاحاً لقراءة جانب من المتن. وتتضافر لتكون أثافي القراءة معاً من دون نقص. أولها كلمة لأبي السوريالية ومنظرها اندريه بريتون «اليأس خالق الدهشات الطويلة الناحلة. يأس الكبرياء، يأس الغضب» وأخرى لخورخي بورخس شاعر ونبي أميركا اللاتينية. في حين تتوسط التصديرين كلمة «إضاءة» من الشاعر نفسه موجهة إلى الشاعر وناشر المجموعة خالد المعالي، حيث تكتسب تلك الإضاءة أكثر من معنى أو توصية أو حتى صداقة بين الكاتب والناشر، لتتعداها إلى روح السؤال نفسه وعن هم أنطولوجي ينظم ما وراء البحث عن وردة الكتابة «بحثاً عن القارئ الشقيق الذي لا بد انه سيفهم إن «كيف تفوز بوردة» سؤال أنطولوجي، وان قصائد هذا الكتاب محاولة لإيجاد إجابة ما له، حيث الوردة رمز متعدد الدلالات: يشمل التجربة المركبة، والخسارة الشاملة في الحب، في الوطن وفي الصداقة. لابد انه سيدرك أيضاً إن كل شيء خسرناه منحنا هذا الحس بتصحر العالم، حيث لا أمل، سوى ممارسة هذه الهواية الحزينة: «مطاردة الرحيق بغية العثور على الوردة، وردتنا التي لم تولد بعد، في حديقة الكتابة».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة