سافرة في الجنوب .. يا للهول

ما تختلف به داعش الاصلية عن بقية نسخ الدعشنة المتناثرة على تضاريس مضاربنا المنسية، ان الاولى واضحة وصريحة في الاعلان عن مشروعها الاسلاموي وباقتفاء أثر القوافل الغابرة باسترداد الفردوس المفقود (الخلافة)، أما بقية فروع الدعشنة فتتخذ اساليب المراوغة والتضليل والتمويه للوصول للهدف نفسه؛ السلطة والدراهم وامتيازات الدنيا الفانية، تحت ذريعة تطبيق فرامين شرعة السماء.
في جنوب العراق لا وجود لسلطة تنظيم دولة العراق والشام الاسلامية (داعش)، لكن هذا لا يعني تحرره من وباء الدعشنة واساليبها في فرض منهج سلوك وحياة قسري على سكانه من شتى المشارب والمستويات. وما حادثة تهديد الناشطة المدنية والمناضلة العنيدة ضد الدكتاتورية السيدة هيفاء الأمين، والتي مثلت محطة استثنائية في جولة الانتخابات النيابية الاخيرة (حصلت على أكثر من 14 الف صوت) في مدينتها التي رفدت التنظيمات السياسية الحديثة بابرز قادتها (الناصرية)؛ الا دليل واضح على مستوى التدهور، الذي انحدرت اليه الاوضاع في تلك المناطق المستباحة باعراف ومشيئة العقائد العابرة للحدود الوطنية والانسانية.
قوى نافذة لا تطيق وجود ابنة الناصرية الشجاعة هيفاء الامين، تحت ذريعة كونها ما زالت تسير بين الناس في الجنوب الخاضع لتعاليم وتوجيهات «اولي الأمر» وهي سافرة وترفض ارتداء الحجاب ..؟! قد يبدو الأمر لغير القليل من المتابعين عابراً أو بسيطاً جاء كنتيجة لتصرفات فردية غير مسؤولة، أو غير ذلك من التبريرات واجابات التسويف. لكن عند تصفح مثل هذه الأحداث نجدها حلقة من برنامج شامل ومترابط لاخضاع المجتمع (افراداً وجماعات) لمشيئة سدنة قوافل دعشنة المجتمعات والدول، وهي في روحها لا تختلف كثيراً عما تطرحة من دون رتوش جماعة (بوكو حرام) على التضاريس النيجيرية.
لم يعد هناك ادنى شك في العلاقة التي تربط أمر تمدد وانتشار مثل هذه القيم والفرامين المنتهية الصلاحية، وحالة التقهقر التي تنحدر اليها المجتمعات والامم، خاصة تلك التي خضعت طويلاً لانظمة القهر والعبودية من نسيج (جمهورية الخوف) واختباراتها في اجبار الناس على الدخول في مولات حملتها الايمانية افواجاً. كما ان حصاد مثل هذه الاورام الايمانية لم تعد خافية على عيال الله من شتى الرطانات والازياء، بعد ان بسطت الجماعات الاسلاموية هيمنتها لا على «دار الاسلام» وحسب بل تمددت الى بقع غير قليلة من «فسطاط الكفر والحرب». مثل هذه المعطيات والممارسات تشير الى ان نكبة هذا الوطن القديم، قد ولجت بفضل هذه القوى الخرافية النافذة على الصوبين الى مستويات يعجز عن ادراك اغوارها أفضل حكماء هذا العالم الذي حولته الفتوحات العلمية والقيمية وجسور التواصل الى قرية خالية من عسس محاكم التفتيش.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة