انخفـاض أسعـار النفـط لـن يـدوم طويـلاً

مع توقعات بتراجع الإنتاج الأميركي في العام المقبل

ديف سامرز *

حين كتبت آخر مرة عن المعروض العالمي من النفط، كان ذلك في تشرين الاول / اكتوبر ووقتها كانت أسعار النفط تتراجع. ومنذ ذلك الحين استمرت الاسعار في الانخفاض، ووصلت الى أقل من 60 دولارا للبرميل الان. وكنت أشك في ذلك الوقت أن ينخفض السعر لهذا المقدار، وسخرت من فكرة ان يبقى هكذا لمدة طويلة. وقد يبدو ما اقول مناقضا للوضع الحالي لكن من حقي أن أشرح سبب تشاؤمي من ان يستمر الاقتصاد العالمي بالازدهار نتيجة إنخفاض سعر النفط.
وتقدير ذلك يعتمد على البيانات التي تعتقد انها الصحيحة فيما يخص كثرة العرض على الطلب في السوق حاليا. وعندما كنت أنظر إلى الأرقام في الماضي كان من المعتاد ان يكون هناك نحو مليون برميل فائض يوميا، لكن من الصعب ان يكون هذا تقديرا واقعيا. لماذا – لآن المشكلة تكمن في مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي فيها الصراعات، وخصوصا ليبيا والعراق، على الرغم من ان تذبذب الصادرات من إيران لا يمكن إهماله. وعندما أثر الصراع الليبي على صادرات البلد بدأت السعودية بزيادة إنتاجها لتعويض الخسارة في الصادرات الليبية.
وجاء وقت في ايلول/ سبتمبر هبطت فيه الصادرات الليبية الى نحو 300 الف برميل يوميا بعد ان بلغت ذروتها عند تصدير 1.6 مليون برميل يوميا، لكن صادرات ليبيا عادت لترتفع الى 900 الف برميل يوميا. لكن وكالة الطاقة الدولية اظهرت وجود علاقة عكسية بين الإنتاج الليبي وأسعار النفط.
وعليه فلن يكون من المستغرب ان يكون هناك تأثير على الاسعار بسبب ظهور 600 الف برميل نفطي أضافي من ليبيا في الاسواق، وكان هناك بالفعل بعض الفائض في السوق (نتيجة زيادة الإنتاج في الولايات المتحدة الخ، وهو ما ساعلق عليه لاحقا) وبالتالي كان لمقدار الاضافات تأثير أكثر أهمية على الأسعار، وعندما قررت السعودية عدم خفض الانتاج دفع ذلك السوق الى الافتراض إننا عدنا الى الاكتفاء التام فاستمرت الأسعار في الانخفاض منذ ذلك الحين.
ومع ذلك، فان هذا التصور تفكك بالفعل. واستمر الصراع الليبي ليشمل حقول النفط. وتم غلق حقل شرارة ، الذي ينتج 300 الف برميل يوميا في تشرين الثاني حين صار مكانا للقتال. وفي الوقت نفسه باتت أثنتان من محطات التصدير مهددة مما تسبب بفقدان 300 الف برميل آخر. ولكن لم يكن من الممكن، في هذه المرحلة، التنبؤ بما سيحدث في أمكنة أخرى. و كانت هناك دلائل قليلة على قرب حل الصراع، وهذا يعني ان الإنتاج سيظل عرضة للتهديد في المستقبل المنظور. وهذا معناه أن هذا سيكون له تأثير سلبي على إنتاج النفط، لذلك قد يكون من الحكمة أن نفترض إن انتاج البلاد النفطي سيكون أقل وليس أكثر.
وكان الوضع أكثر وضوحا وباعثا على التفاؤل في العراق حيث قلل خط الأنابيب عبر الأراضي الكردية من تأثير إستيلاء داعش على رقعة واسعة من البلاد.
والاتفاق الاخير بين حكومة العراق وحكومة كردستان اوائل هذا الشهر يثير تساؤلات حول المقادير النفطية التي ستضخها كردستان في الاسواق. والاتفاق يدعو الى ان تصل مبيعات الاقليم الى 550 الف برميل يوميا لكن هناك 100 ألف برميل أضافية موجودة وسيكون الوضع في هذه الحالة غير واضح. وبعد كل شيء فان البلاد تقوم بتصدير نحو 2.51 برميل يوميا ويحمل خط الانابيب التركي حاليا 280 ألف برميل يوميا ويتم تعزيزه لينقل 400 الف برميل لتكون الحصيلة النهائية 700 ألف برميل يوميا.
وجزء من المشكلة يكمن في تقييم السوق لهذا الوضع، ولكن، على المدى القصير فأن النفط الخام العراقي غالبا ما يكون أثقل وذا نوعية أقل نسبيا من متوسط السوق. وهذا يسبب حاليا بعض المشاكل التسويقية،مما دفع الحكومة المركزية العراقية الى تخفيض الاسعار لايجاد حصة في السوق. ومع ذلك، فان من المرجح ان يؤثر الصراع الحالي على الإنتاج المعد للتصدير، وعلى الرغم من صعوبة توقع ان يكون الانتاج اكثر من 3.5 مليون برميل يوميا (ويشير تقرير اوبك في كانون الاول أنها تنتج 3.36 مليون برميل يوميا في الوقت الحاضر) ومن غير المحتمل أن نرى أي انخفاض كبير في الإنتاج في المستقبل. النمو الكبير في الإنتاج العالمي لتلبية ارتفاع الطلب لا يزال ضمن تنبؤات العام المقبل (ولو بانخفاض طفيف عن التقديرات السابقة) وبالتالي، لن تأتي الزيادة من أوبك، التي لم تحقق توقعاتها بزيادة الانتاج حيث بقيت اقل من ذلك بـ 400 الف برميل. وما يزال من المتوقع أن الإنتاج الأميركي سوف يستمر في الارتفاع لتلبية توقعات زيادة الطلب العالمي.
لكن المشكلة، للأسف، مع هذا الرأي، هو أن الزيادة في إنتاج الولايات المتحدة مرتبطة بحفر آبار افقية تحتاج لحقن الماء فيها لاخراج النفط وهي طريقة مرتفعة التكلفة ومدتها الانتاجية قصيرة لان اغلب الانتاج يحصل في السنة الاولى فقط. ولذا ولغرض الحفاظ على الإنتاج، يجب حفر المزيد من الآبار كل شهر لتغطية الخسارة في الإنتاج من العمليات القائمة. وتقدر داكوتا الشمالية أن هناك حاجة لـ 225 منصة للحفاظ على إنتاج الولاية على مدى السنوات الثلاث المقبلة. وفي الوقت الحاضر هناك ما يقرب من 180 منصة تشغيل، وعند حساب سقوط المنصات كل اسبوع، فان الوارد المالي لا يتناسب مع التكاليف. وتتوقع الوكالة أن عدد المتساقط الاضافي سيكون من 40-50 منصة. ومع التساقط المتواصل فمن المرجح ان ترجئ الصناعة النفطية خططها بسبب انخفاض اسعار النفط.
ويجب عدم إهمال أثر هذا على الإنتاج حتى على المدى القصير. وبالفعل كان هناك انخفاض طفيف في الإنتاج، بدلا من الارتفاع وذلك من المرجح ان يزداد.
ومع عدم تحقيق ارباح فهناك احتمال حدوث انخفاض في إنتاج الولايات المتحدة خلال العام المقبل، وحينها من المرجح ان يختفي الفائض المتوقع بين العرض والطلب على النفط. ولنتذكر أن دول الشرق الأوسط تشهد نموا في الطلب الداخلي على النفط (في المملكة العربية السعودية تجاوز الطلب المحلي بالفعل 3 ملايين برميل يوميا) وعليه فانهم وان لم يكن لهم سبب لخفض الانتاج برغم انخفاض الاسعار فمن المحتمل انهم لن يزيدوا الانتاج حين ترتفع الاسعار لأن هذا لم يحدث قبلا.
لكن متى يحدث هذا ؟ اعرف ان السعر سيعود مجددا الى الارتفاع لكن لاتلزمني بتحديد وقت معين ولكن اتوقع ان يبدأ كل شيء حين يبدأ موسم ذروة الاحاجة للوقود في اميركا في العام المقبل، فإن سوق النفط ستقوى وليس بسرعة. وبعدها وبسبب الجمود الحاصل في انتاج الولايات المتحدة وحاجته لسنوات ليعود، فسيعود القلق العالمي بشأن الامدادات ليكون عاملا هاما في عام 2016.

* ترجمة عبد علي سلمان
ع/ اويل برايس

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة