الأخبار العاجلة

دولة القوانين

هذا العنوان يحمل في جوفه أكثر الشحنات فتكاً بوجود ومصير المجتمعات والامم، حيث لا وجود لدولة بالمعنى الحديث لهذا المفهوم، يمكن ان تجتمع على تضاريسها «قوانين» تفصل طبقاً لمصالح وذائقة شتى القوافل الحديثة منها أو المنحدرة لمضاربنا من كل فج غابر ومنقرض . ومن يتابع المشهد العراقي الراهن وبقية المشاهد المتجحفلة معه بالموروثات والفضلات السامة، لابد ان يصطدم بهذا الكم الهائل من الشرائع و»السناين» والقوانين المتدافعة عند أطراف الوليمة الأزلية. ومثل هذا الواقع الغرائبي لا يعود الى حقبة الفتح الديمقراطي المبين، والتي انطلقت ربيع عام 2003، كما يحاول فلول النظام المباد ترويجه، لأن عبارة ذلك الكائن الخرافي الذي انتشل مذعورا من جحره الأخير، قد عبرت بدقة عن ذلك قبل وقت طويل من لحظة «التغيير» عندما قال: (القانون؛ جرة قلم). لكن فضل ما يسمى بـ (المرحلة الانتقالية) انها اطاحت بآخر دفاعاتنا المحلية وكشفت عن حقيقة امكاناتنا الواقعية ونوع القوى والاعراف (السناين والشرائع) المهيمنة على تفاصيل حياة شعوب وقبائل وملل هذا الوطن المنكوب.
ويبدو لي ان من اختار ذلك الاسم الموفق لكتلته (دولة القانون) والتي تصدرت نتائج الجولات الانتخابية (الاتحادية والمحلية) لم يكن يعي المغزى الاساس لذلك المشروع الذي انتظره سكان هذا الوطن القديم طويلاً. ومن المؤسف ان ينكمش التجلي الفعلي لـ (القانون) الى شرنقته الضيقة والمتخلفة، لا صيغته الانسانية المجربة التي انتشلت سلالات بني آدم من محنة اشتباكاتهم العضال. ان التحدي الاساس ما زال يدور حول المهمة الغائبة، الا وهي امتلاك؛ دولة القانون. ومثل هذه المهمة لا يمكن ان تلقى على عاتق مخلوقات وجماعات ما زالت تعيش مناخات وثارات القرون السالفة. وما تجربة الاعوام الاخيرة الا دليل لا يتناطح عليه كبشان، عن الحصاد المر للهرولات خلف هذه القوى ومنظوماتها وهوساتها المتنافرة وحاجات العصر وهمومه البوكوية.
للدولة الحديثة قانون واحد لا تتجرأ على التقرب من ضفافه كل أشكال «العطوات» القبلية والأثنية والطائفية، كما هو رائج اليوم على سطح مرحلتنا الانتقالية. ودولة القانون الممكنة في عالم اليوم؛ هي دولة المواطنة المتحررة من كل أشكال التمييز على اساس الرطانة والمعتقد والزي وغير ذلك من أسمال القرون الغابرة. والى ان نصل لوعي مثل هذه الخيارات، يبدو اننا ما زلنا نحتاج الى جولات اخرى من المصائب والمحن، وقوافل اخرى من القتلى (احتل العراق مؤخراً المرتبة الاولى عالمياً بعدد القتلى) والجرحى والمشردين والنازحين كي نقبض على شيء من الهمة والمسؤولية والاستعداد، لانتشال ما تبقى لنا من أمل في العيش كبقية الامم والشعوب التي اعتصمت بالدولة والقانون.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة