الأخبار العاجلة

«حمى» هشام عيوش: المهاجرون العرب وأزمة الهوية

كاظم مرشد السلوم

يقدم المخرج المغربي هشام عيوش في فيلمه “حمى” مشكلة قائمة منذ بدايات هجرة أبناء المغرب العربي إلى فرنسا وغيرها من الدول، وما نتج عنها من مشكلات اجتماعية ونفسية بسبب التمييز الحاصل نتيجة التقاء ثقافتين مختلفتين، عيوش حاول الخوض في عمق المشكلة، من خلال حكاية عائلة مهاجرة، تتسبب علاقة جنسية عابرة لابنها بولادة طفل غير شرعي، لتنسج بقية الحكاية على وفق التداعيات الحاصلة بسببها، سارداً عمق وخطورة أزمة الهوية للمهاجرين العرب في بلدان تتقاطع ثقافتها وتقاليدها مع ثقافتهم وتقاليدهم.

الحكاية
يتفاجأ الأب كريم بان دائرة رعاية الأحداث تتصل به لتخبره بان لديه ولد من امرأة فرنسية سجنت بسبب تهمة الدعارة وان من واجبه تسلم الولد، الولد جاء نتيجة علاقة عابرة لم يعرف كريم ان ثمة ولداً نتج عنها، فيتقبل الأمر ويتسلمه ليعيش مع عائلته المكونة من أمه وأبيه في شقة ضيقة بباريس، حيث يعمـل حمـالاً لنقـل بضائـع فـي أحـد المـولات.
الولد المتمرد
بنجامين هو الابن غير الشرعي، يعرف انه ابن غير شرعي، الأمر الذي يشعره بالعار، وليظل يردد انه ابن زنا، ونتيجة رغبات لأناس لا يعون ما يفعلون. رافضاً العيش مع عائلة والده كونهم مهاجرين وأدنى مستوى من أن يعيش معهم، عاكساً النظرة الغالبة للفرنسيين عن المهاجرين. متقاطعاً مع كل ما يدور في البيت، مشاكساً لدرجة تجعلك لا تتعاطف معه، في أحد المشاهد، يحاول إحراق القرآن، مما يثير غضب جده الحالم بالعودة الى بيته في بلده الأم، صانعاً مصغراً من الكارتون لذلك البيت الحلم.
الجدة هي الوحيدة التي تتعاطف مع بنجامين برغم قسوته عليهم، معتبرة انه ضحية لا يجوز القاء اللوم عليها.
يفرغ الصبي غضبه بان يرسم لوحات على الجدران البعيدة في المدينة، معلناً شعارات تعبر عما يدور في نفسه من صراعات، وليرتبط بعلاقة مع مهاجر شاب، ضاق ذرعاً بالمدنية فاتخذ من أحد المتنزهات في أطراف المدينة سكناً له، يكتب الشعر، ويعرف مدى الأسى الذي يشعره بنجامين، وهو ما يشعر به نفسه ولكن في مراحل متقدمة، حيث ينهي حياته كوسيلة للخلاص.
يكتشف بنجامين ان له عم معاق، مبتسم دائم لكنه يشعر بألم لا يستطيع التعبير عنه، فيقرر انهاء حياة هذا العم، ضمن قناعته بانه موت رحيم يخلّصه من معاناته، وليعرف في النهاية ان هذا واقعه الذي لا خلاص منه.

الاشتغال
يعود نجاح الفيلم لاعتماده على سيناريو محكم كتبه حفيظ بين عثمان وعائشة يعقوبي بالاشتراك مع مخرج الفيلم هشام عيوش، حيث رسمت شخصيات الفيلم بعناية، كذلك نجح عيوش بتحريك ممثليه بما يتلاءم مع مفردات الحكاية، وبما يتلاءم والوضع النفسي لها، حيث الملامح معبرة عن عمق الأسى والمعاناة لكل شخصية والتي تجتمع جميعها في موضوعة الهجرة وأزمة الهوية، هذا الفعل يبقى حتى النهاية أي مرحلة التطهير، وصفو العلاقة بين بنجامين وأبيه، ومحاولة جعل هذه العلاقة علاقة أنموذجية كسد للنقص الحاصل نتيجة أزمة الهوية التي يعانون.
العمل توفر على مدير تصوير ممتاز هو بو بكر بنزيات، الذي كان لرسم مشاهده دوراً فاعلاً في أخذ المشاهد إلى عتمة الفراغ الروحي والنفسي للأبطال ومن ثم العودة به الى المشاهد المفتوحة التي تعبر عن الحلول التي تم التوصل إليها.
تأويل النص المرئي
يواجه المهاجر العربي تحديات كثيرة عندما ينتقل للإقامة في بلد يختلف في قوانينه وأنظمته وثقافته عن دولته الأم، وهي تحديات تختلف في شدتها وقسوتها من فرد إلى فرد آخر، لكن تظل دائماً اختباراً صعباً لكل مهاجر، فهل استطاع المهاجرون العرب الاندماج في المجتمعات التي هاجروا إليها، هل ذابت هويتهم ضمن هوية الوطن الجديد، هل أصبحوا ينتمون بنحو كامل للبلد الجديد، أم انهم برغم طول سني الاغتراب سيبقون عرباً يحنون الى بلدانهم التي أتوا منها، يحلمون بالعودة إليها، برغم الفارق الكبير في الكثير من الأشياء. هذا هو ما يمكن أن يطرحه فيلم “حمى” ضمن تأويل نصه المرئي.
ف”حمى” ليس مجرد حكاية من حكايات الاغتراب، بل أراد صانعو العمل أن يبرزوا عمق صراع الهويات في مجتمع كالمجتمع الفرنسي الذي بات يضم ثقافات متعددة، تتصارع فيها أجيال بسبب تفرقة لا يمكن التخلي عنها، فيلم يؤكد عمق الخطأ الذي يمكن أن يرتكب من دون الشعور به كخطأ في مجتمع قد يكون منفتحاً نوعاً ما على العلاقات العاطفية، لكن نتائجه مدمرة وكارثية لمهاجرين تختلف ثقافتهم ومعتقداتهم في التعاطي معها عن الكيفية التي يتعامل بها الوطن الجديد أو حاضنتهم الجديدة.

الأداء
كان لاختيار الممثلين دوراً مهماً في نجاح الفيلم، حيث جاء الأداء عفوياً، ومعبراً، الأب بتجاعيده المعبرة عن مدى التعب الذي لحق به، الجد العجوز الذي يحلم بالعودة الى بلده صانعاً بيتاً من ورق، الأم أو الجدة الطيبة التي توزع طيبتها على الجميع، فهي أم عربية، لم تتأثر بالثقافة الفرنسية، ومراعاة وتربية حفيد حتى لو كان غير شرعي هي مسؤوليتها؛ لأنه الأخير حفيدها.
السيناريو الذي اشترك في كتابته المخرج هشام عيوش مع حفيظ بن عثمان وعائشة يعقوبي، ينجح في رسم الشخصيات جميعها، ونسج العلاقات فيما بينها، والانتقال المحسوب من هذه الشخصية إلى تلك، في الوقت المناسب، من خلال ذلك الإخراج الواثق الذي يتحكم في تصميم المواقف، في “الميزانسين”، وفي الأداء التمثيلي بحيث لا نرى مغالاة في تصوير المشاعر.

خاتمة
الفيلم من انتاج مغربي، وفرنسي، وإماراتي، وقطري، كتب السيناريو هشام عيوش وحفيظ عثمان، وعائشة يعقوبي، تصوير: بو بكر بنزبات، مونتاج جوليان فور، الصوت حسان كمراني، موسيقى بشار خليفة. التمثيل: فريدة عموش، ومحمد عروسي، والان أزيرو، وسليمان دازي، وايميليا ديرو برنال، وباسكال اسو.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة