سلوى فارهة الأوهام

عامر القيسي

«لن يعرفني أحد/ كما تعرفينني/ عيناك اللتان كنّا ننام فيهما / معاً../ كانتا تضعان لأحلامي حظاً لا تستطيعه كل ليالي العالم/ عيناك اللتان كنت فيهما أتجوّل/ تمنحان إشارات الطرق/ اتجاهات أبعد من الأرض/ وفي عينيك اللتين تفضحان/ وحدتنا اللامتناهية/ لا نعود من يظنون أننا هما/ لن يعرفك أحد /كما أعرفك..». بول ايلوار
1
سلوى كيف ستصلك هذه الكلمات؟… الغرابة أن لا أكتب لك في الفراغ، الغرابة أن أصمت وأتوغل بلا حدود في ذاكرة ينهشها الزمن. كنت أعدو في أزقة مجهولة، أبحث عن منفذ للخلاص من الدمار الذي كان يلاحقني، فانبثقت مثل نور رباني من وسط الظلمة وأزيز الرصاص والموت الذي كان يقترب. لقد أصبح هذا تأريخاً مزرياً للمدينة.
حينما انهمرت تقبلني مثل طفل مدلل، مصّت أصابعي كقطعة شوكولاته، أطفأت هيجان الرعب في داخلي. سلوى مأوى للهزائم والنكرات، هنا يبكي الرجال، كانت تهمس في أذني. ياحبيبي رجال من يضعون قوانين واشتراطات الحياة، مهنتهم القتل والاستباحة، لكنهم هنا يندحرون، في هذا الفراغ الصغير من العالم. يتعرون كفئران تبحث عن ثقب للهزيمة. هنا يلقون بهوياتهم وأسمائهم ورتبهم وعوائلهم وأفكارهم، تحت قدمي تماماً، كما لو كنت خلاصهم الوحيد من وجودهم الكاذب في الحياة برمتها. هنا في هذه الغرفة، أفرض عليهم قوانيني الخاصة، أشويهم بها، أمنحهم لذة مشوّهة ممسوخة لا نكهة فيها ولا حياة، أعذبهم هنا، أقلب عليهم موازينهم وأتفرج عليهم عراة إلا من فضيحتهم المخزية. هنا يجهشون بالبكاء ويسكرون.. يتحولون الى نعاج حقيقية عمياء تدور حول نفسها، ثم أمنحهم لذة قاسية مشوّهة ومهينة. اسمع فحيحهم بقرف، كانوا يفعلون كل ذلك وأنا أنطلق في زمن آخر!
ولكنني يا سلوى ودعتك الى زمن آخر لا لقاء فيه على الاطلاق!
سلوى .. كيف ستصلك هذه الكلمات؟ أنا نفسي لا أدري . شيء خفي.. ساحر ومشوش.. قوة مجهولة في داخلي تقودني إلى زمنك. دائماً في هذا الصقيع الحياتي البليد والذي يمتد الى المجهول السحيق، سأكتب لك. انا لاغيري من يعرف أي نمط من النساء أنت. الكتابة الوسيلة الوحيدة لكي أصل إليك في لجة خرابي وهلوستي وانتحاءاتي المجنونة. أنا في أشد الحاجة لمثل هذا الإحساس. نعم. الغرابة هي أن لا أفعل ذلك. الغرابة هي أن أصمت وأتوغل في ذاكرة بلا حدود، في ذاكرة ينهشها الزمن كما لو انها عدوّه اللدود والوحيد في الوجود.
لقد ذهبت كل محاولاتي لاتلاف الماضي في مهب حضورك الدائم والمهيب ياسلوى.. لا شيء أكثر حضوراً في فراغ حياتي اللئيم أكثر من حضورك القوي والعميق. تجلبين الماضي لترميه أمام ضياعي الحاضر دائماً في كل خطواتي.
ذلك اليوم المهووس بالخوف والرعب والتلاشي فتحت فيه وجودك كلّه لهروبي المطلق من بوابات الموت الحاضرة في تفاصيل حياتي. لقد كان احتواؤك أكبر وأعمق وأنقى من هيجان الرعب الذي كان في داخلي.
كنت أعدو في أزقة مجهولة، أبحث عن منفذ للخلاص من الدمار الذي كان يلاحقني.. الطلقات التي كانت تجتازني، أسمع أزيزها وأشم رائحة بارودها. كانوا هناك خلفي يطلقون حقدهم الأعمى للتدمير الممنهج والمتواصل .. الموت أو الانغمار في مستنقع التلوث، تلك هي طريقتهم الوحيدة لفهم الحياة وفهم وجودك برمته. كان اثبات وجودهم ككائنات مشوّهة يعتمد الى اقصى الحدود على اتلافك.. كنت أعدو من دون إحساس لا بالزمان ولا بالمكان .. هكذا أعدو في فضاء منفلت.. كنت في أقرب نقطة للتلاشي وأبعد نقطة للفصل بين روحي وأرواحهم.
الأزقة المظلمة القانعة بمصابيح خافتة للنور صامتة مثل موتها الأبدي.. يرج صمتها ويهزه أزيز طلقات من كراهية ممتزجة بصوت لهاثهم.. كنت أسمعه يقترب في اللحظات الأخيرة لانهياري وإعلاني الاستسلام التام لإصرارهم العجيب. كان مصيري بيد لحظة من المجهول أو معجزة تنبثق من ظلام الأزقة وسكونها المريب..
انبثقت سلوى من ذلك الزقاق الجانبي المظلم في لحظة تعثري واستسلامي بعد أن فقدت القدرة نهائياً على العدو. انبثقت سلوى متوهجة كملاك رباني. في لحظة لا تصدق كان بريق امرأة يلمع من ظلمة الزقاق وصوت مجهول يناديني من البعيد البعيد.
كيف استوعبت تلك اللحظة يازمني؟
كيف فتحت لي ذراعيك؟
كيف ولماذا فعلت كل ذلك، في المجهول والعدم الذي كنت فيه وكنت فيه أيضاً يا ملاكي المجهول؟
كيف أستطيع أن أفهم تلك اللحظة الآن، أنا الذي لم أفهمها في تلك اللحظة، كيف يتسنى استدراجها الآن للتفسير؟
2
كنت أقص الحكاية الى صديق عمري اللجوج الشكاك، الصديق الذي لايكترث بشيء لأنه كما قال لي مراراً « كل شيء خراء في خراء «! كان يسمعني برهافة وهو يعب كأس العرق ويلقيه في جوفه دفعة واحدة، ثم ملعقة صغيرة من «الجاجيك»، صمت وحدق في وجهي «عليك أن تجازف لأنها اللحظة الوحيدة التي يختلط فيها اليأس بالأمل. ثم دع الأقدار تقرر.. افعلها يارجل»!!
3
رائحتهم تحاصرني الآن، وصوت لهاثهم يقترب، أشعر الآن كأن أقدامهم تدوس فوق ظهري فأبدو مثل جرو ذليل.»انها النهاية» قلت مع نفسي. كان عليّ أن أواجه شراستهم وعنفهم برجولة. هكذا أقف أمامهم، أصطدم بهم وأبصق في وجوههم، وعندها ينتهي كل شيء إلى الأبد. لكن سلوى كان لها كلام آخر.. في اللحظة التي توقفت فيها وأدرت وجهي نحوهم كان الظلام يفصل بيننا، في تلك اللحظة المجهولة كانت يد سلوى تسحبني داخل ظلام آخر وتغلق الباب بهدوء. «أولاد القحبة .. أدخل هنا» توقف الزمن بالنسبة لي، تمددت على الأرض الكونكريتية الرطبة واستسلمت لكل شيء، الظلام، المرأة التي لا أعرفها، رطوبة الأرض والصمت الذي أصبح مطبقاً تماماً.
4
قلت لصديقي انسقت وراءها مثل طفل ضائع «نعم» قال لي «استمر في الانصياع للمرأة فهذا أفضل شيء يفعله المرء»، كنت أهذي أمامه وهو يقوم بأكثر من عمل في لحظة واحدة.. ينصت لي ويحتسي كؤوس خمره كما لو انه يشرب أقداحاً من الماء.. يعلق على كلامي.. يتثاءب.. يذهب الى الحمام ويعود « لاتهتم واصل خراءك»!
«لقد ذهبوا» قالت لي وسحبتني الى غرفة ضيقة عفنة الرائحة. «استلق هنا « وأشارت إلى سرير مبعثر الأغطية. ألقيت بجسدي كما لو انه ليس لي. كان الدم الحار يتدفق الى رأسي بقوة في الوقت الذي كان ضوء المصباح الصغير في الغرفة يتراقص أمام عيني. كنت أحاول جاهداً أن أضع اللحظة في مكانها الحقيقي، في الاحتمال القائم دائماً لوقوعها، في أي لحظة وفي أي مكان من هذه المدينة المتخمة بمطاردات لا نهاية لها.. أما المواجهة أو الانبثاق.. لقد أصبح هذا تأريخاً مزرياً للمدينـة «
– دعك من هذا الهراء وقل لي ماذا بعد ذلك؟
5
مرّ الزمن .. ومرّت سلوى فوق جسدي كما لو إنها تنقذه من أدرانه، وكنت أقبل كل شيء فيها، قالت لي ذات مرّة « العشرات مروا به لكنك الوحيد الذي جعلت بواباته ترتجف». كان يوماً للوداع، عندما قررت نهائياً الهرب من الموت ومغادرة البلاد إلى المجهول.. وكانت سلوى الوحيدة القادرة على العبث بتلك اللحظات إلى نهاياتها… الوحيدة القادرة على تدمير زمني نفسه، وأن تجعل من الخطوة الأولى خطوة لامتلاك الحياة. كانت قادرة على أن تمنح لرحيلي كل معاني الحياة الجليلة. في يوم الوداع تركت الجميع ورائي إلا سلوى. قلت لصديقي «ماذا كنت لتفعل مثلاً؟ لا شيء غير الوعظ الفارغ عن الوطن والغربة؟ وماذا كانت ستفعل أمي غير سكب الدموع الحارة والنواح عن ألم الفراق؟ وماذا كنت سأفعل أنا وحيداً غير الصمت والسكر والانهمار فوق الزمن الضائع؟ كانت هي الوحيدة القادرة على أن تفعل في الزمن فعلتها هي.. رؤيتها الخاصة لدماري البدائي.. لخوفي من اللحظات التي كانت تحيطني.
غرزت أصابعها النحيلة في تجاعيد رأسي وقالت بهدوء حزين «سترحل إذن»
سلوى المجنونة أقنعتني بأن لدي «اشتباكاً في الرؤية» وان «زمني غامض» و»أفكاري جميلة» و» انها على استعداد لكي تبول على كل ماتعلمته في حياتي» . وأخيراً تلاعبت بجسدي كما شاءت وبكت بحرقة ثم نامت على صدري وهي تتمتم « ارحل ياولد «.
في تلك الليلة.. ليلة الوداع الأخير .. بكيت أنا الآخر ووجهي منغرس في صدرها مثل طفل جائع .. نهم.. ونمت قبل أن أحمل حقيبة سفري الصغيرة وأغادر غرفتها وهي تغط في نوم عميق.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة