استراتيجية .. تيتي تيتي

لم يمر وقت طويل على انطلاق النسخة المحدثة من أهازيج (السيادة الوطنية) ولافتاتها العريضة من نسيج (شكراً للمفاوض العراقي) حتى تفاجأت الحشود المليونية والنخب من شتى الاختصاصات بخبر سقوط ثاني المدن العراقية وثلث التضاريس الوطنية بيد ممثل أكثر القوافل همجية وانحطاطاً في عالم القرية الكونية (داعش) والمتجحفلين معها من فلول وشراذم النظام المباد. احداث وتداعيات اجبرت (العابثون) وزعماء المصادفة ممن امتطوا سنام المفاصل الحيوية لحقبة ما بعد الفتح الديمقراطي المبين، من الانكماش والضمور طلباً للغوث الاممي المأكول والمذموم.
في كردستان تراجع جموح صقور «المتنازع عليها» ودعاة عراق ما بعد نكبة 10 حزيران الى حدوده التي لا يتطفل عليها أحد، بعد أن كشفت تداعيات اول تحدٍ جدي لتلك الاستعراضات القومية والعشائرية والمناطقية عن قدراتها البائسة في مواجهة المخاطر المتربصة بمصير الوطن وحق تقرير المصيروالناس من شتى الرطانات والازياء.
شكرأ لكل الكتل والأحزاب والجماعات التي اهدتنا نزاعاتهم وحلولهم ومشاريعهم وشراهتهم الاسطورية؛ كل هذا الكم من القوارض والكوارث والكوابيس الاتحادية والمكوناتية. شكراً لمفاوضيكم وخبراتكم المتخصصة باشعال الحروب والنزاعات كي تتبوأ هذه المستوطنة القديمة صدارة البلدان والامم بعدد القتلى وغير ذلك من المآثر التي سيدونها التاريخ لكم بنزيف من دماء الضحايا والابرياء الذين التهمتهم محارقكم وغزواتكم المسعورة.
ان استراتيجية الحرب ضد الهمجية والارهاب، المتمثلة اليوم بتنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) وبمثل هذه الاصطفافات والمحاور المحلية والاقليمية والدولية، وبالمفاهيم نفسها والتجاذبات التي برهنت عن عقمها زمن الحرب الباردة وتداعياتها، يعني ان القوم قد حسموا أمرهم بشأن اختيار هذه الارض المستباحة كمستودع لطمر فضلات اشتباكاتهم الملوثة، وان هذه الاستراتيجية ستحولنا الى أكبر مختبر بشري وقيمي لتجارب اعادة انتاج ما يعرف بالشرق الاوسط الجديد.
وهنا لا بد من الاقرار بمسؤوليتنا جميعاً؛ أفراداً وجماعات ومن كل العناوين الحداثوية والتقليدية، عن هذا الهوان الذي انحدرنا اليه. ومع مثل هذه الخطط والسيناريوهات المعدة في المطابخ الاقليمية والدولية، حيث تقبع هموم واولويات سكان هذا الوطن المنكوب في قعر ما يمكن ان نطلق عليه بـ (استراتيجية التيتي تيتي)؛ لا خيار أمامنا الا انتظار العودة الظافرة الى الشروط والمناخات نفسها التي اكرمتنا بهذا الكم الهائل من الهزائم والاهازيج الخاوية. وهذا يؤكد ان استراتيجية الحرب الفعلية ضد الهمجية والارهاب والاجرام المنظم، لم تولد بعد، وهي كما عدوها اللدود تحتاج الى حواضن بشرية وقيمية وحضارية كي تتحول الى قوة مادية ومعنوية تعصف باوكار الارهابيين وتجفف بركهم الآسنة.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة