قاعدة جبل كورك !

نادرا ما ألبي أي دعوة من أي صديق أو قريب، بكل بساطة لاعتقادي ان الجميع محمل بالهموم وان الدعوات المترافقة عادة بالمناسبات تبدو من باب الضرورات الاجتماعية ، فكنت ، كما ارى ، أريح واستريح..
كسرت القاعدة التي تبنيتها سنين عديدة ، على وقع دعوة بريئة جدا مع اغراءاتها البريئة هي الاخرى للعب على الثلج وبالثلج ، على قمة جبل كورك في شمال اربيل، حيث تصل اليه في مرحلة ثانية عن طريق التلفريك ..
وجبل كورك (بالكردية: Çîyay Korek‏) هو جبل يقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة أربيل. ويبعد نحو 50 كيلومتراً عن الحدود الإيرانية، بني على قمته منتجع سياحي بالغ الجمال والروعة بطبيعته .
أمر الرئيس الاسبق البكر، عام 1973، ببناء مرصد فلكي كبير هو الأكبر في الشرق الأوسط وتم اختيار قمة جبل كورك كموقع له نظراً لعلوه و موقعه الجغرافي وتم اختيار موقعه المميز من قِبَل خبراء عالميين، لتفوقه على كل الأماكن الأخرى في الشرق الأوسط بسبب توفره على 252 ليلة صافية في السنة خالية من الغبار والتلوث وكل ما يعرقل مشاهدة النجوم، وارتفاعه عن سطح البحر 2127 مترا ، و 1500 متر عما يحيطه، وخصص حينها أكثر من 170 مليون دولار للمشروع،ولكن لم يتم اكتمال بنائه بسبب تولي صدام حسين للحكم و بدء الحرب العراقية الإيرانية التي دمرت بعضاً من أجزاء المرصد.
وعلى قمة هذا الجبل اوقد مسؤولون كرد شعلة نوروز في آذار من العام الحالي ، وتعد شعلة نوروز بشارة الحرية للكرد.
الحياة ناهضة في هذا المكان ، كما انه المكان نفسه اعاد بقوة قاعدة الحياة العراقية ، قبل ان تتلوث بالطائفية التي خلخلت البنية التحتية للمجتمع العراقي ..
على ناصية من القمة كانت عدة عائلات تلعب بالثلج بعيدا عن اصوات المفخخات ومخاوف الموت المفاجيء ، كل عائلة تلعب منفردة عن الاخرى ، وكان رذاذ الثلج يصيبني بعض الاحيان ، ما شجعني على الانخراط في اللعبة مع عائلتي، التي سرعان ما اصبحت جماعية ومن دون تخطيط مسبق ، بدا الجميع يرشق الجميع بالثلج ، وكانت مجموعة تخرج لتدخل مكانها مجموعة اخرى ، وهكذا رصدت المشهد ، تغيرت الوجوه ورحلت اخرى فيما اللعبة بقيت مكانها ، تعطي رسائل واضحة عن الحقائق التي يراد لها ان تندثر الى آخر الآزمنة ..
القاعدة كانت هي ان الجميع عراقيون ..
لم يسأل احدهم الآخر ان كان شيعيا أو سنيا..
لم يسأل احدهم الآخر ان كان مسلما ام مسيحيا ، صابئيا ام آيزيديا مؤمنا أم ملحدا ..
لم يسأل احدهم الآخر ان كان عربيا أو كرديا او تركمانيا..
هذا النمط من الاسئلة كان غائبا ، بل ان الحقيقة هي ان الاسئلة اختفت نهائيا ، ليحل محلها الشعور بالانتماء الواحد الى الجغرافية العراقية الكبيرة ومنتجها الاجتماعي المتوحد ، برغم تثخين جسده بالجراح ، وقلبه بالاحزان والصدمات وعقله بالهويات الصغيرة ..
على جبل كورك الصافية 80% من لياليه السنوية .. على هذه القمة التي تنازع عليها العراقيون ايضا ، كانت قاعدة الحياة العراقية الصحيحة والسليمة تنمو من جديد ..
لانحتاج الى مزيد من القمم .. نحتاج الى ان تخرس اصوات الفرقة والطائفية وتندثر، وحينها فقط ستظهر لنا المئات من قمم جبال كورك العراقي وهي تعيد قاعدة الحياة العراقية الى اصولها الحقيقية !
عامر القيسي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة