الأخبار العاجلة

سارة شمّه.. جداريات الوجع السوري

كريم النجار

الإيقاعات الهادرة في تخطيطات وألوان الفنانة السورية (سارة شمة) التي ترسم عبرها سمفونية الطفولة وحالات المرأة والألم المتسربل في حنايا البشر، والشخوص المهمومين بعالمهم الضاغط، كلها تجتمع في لوحة تنبض بقوة وتحدّثك عن مصير الإنسان الذي يبحث عن خلاصه، أو فسحة التنفس الحرّ الخالية من كل هذه الأوجاع.
في أعمال الفنانة سارة شمة، تجد هناك نوازع كثيرة تتجاذب شخصياتها وصراعها المرير مع روح الإنسان الكامنة المتطلعة لعالم (افتراضي) خيالي وأرض فاضلة، بعيداً عن الهموم التي تتوزع هذه الشخصيات. مواضيعها الثابتة تنبثق من ثيمة (الموت والحزن والتكوين والخلق)، وهنا تتبادل الأدوار وتتغير، فالموت ربما هو انبعاث جديد للحياة، والحزن هو الذي يترك أثره على جسد الإنسان، وربما يزيد من مناعته تجاه لحظات التشاؤم القصوى.
تجد في أعمالها قصدية في تشويه شكل الشخصية المستوحاة، وكأنها تريد تشكيلها من جديد باستعمال مرايا متضادة ومتقابلة للإيحاء أكثر على حدة الصراع الخفي داخل تلك الشخصيات المبتكرة، فهي هنا بمنزلة المحلل النفسي الذي يسبر غور الإنسان، كاشفة عن تلك الصراعات الداخلية التي تعتمر كائناتها، وكأنهم يخرجون بلحمهم ودمهم أمامك ويتحدثون عن قصصهم بكل فصاحة وشجن. ويمكن تقسيم أعمال “سارة شمة” إلى سلسلة تعكس في كثير من الأحيان فترات طويلة من البحث والمكاشفة المريرة، تمتد على مدى سنوات طويلة. وموضوعها المفضل هو (الموت والحزن والعاطفة الجياشة) التي تظهر جلية على أجساد شخوصها المنظورين، وكأن تلك العواطف هي التي ترسم هذه الأجساد بدقة باحث ومحقق.
كما تستمد من الحركة الدائرية (اللولبية) للوجوه وتكرار الشخصية، من حركات المتصوفة والدراويش وهم يدورون بجلابيبهم الواسعة الأطراف على مسرح الحياة، مستخرجين أقصى طاقة ممكنة من أجسادهم ورؤوسهم المتمايلة يميناً ويساراً، تلك الحركات التي تفجرها الألوان الحيادية والمتضادة، تعبير عن الكشف والحوار العنيف الذي يتملكها مع ذاتها ومع المحيط وعوالمه الغريبة والمشوهة، عكس تلك الأعمال التي ابتدأت من خلالها مسيرتها الفنية بداية الألفية الثانية، حيث الميل إلى الهدوء والتأمل والاشتغال على تقنيات الصورة والضوء والظل، حيث وظفت في أعمالها مفردات الفن البصري الآسر والتكنيك العالي في رسم الملامح والأجساد بتقنية واقعية سحرية، لا تخلو من مفارقات سوريالية في بعض المشاهد، وخصوصاً في تصوير (الباكراون) وفي بعض حركات الوجوه.
لكن أكثر ما يستهوي الفنانة شمة، ويجعل منها أكثر حنواً وعاطفة، حين ترسم الطفل الكامن فيها، والمختبئ داخل جسدها، فتراه كأنه يريد أن ينهض ويترك عالمها الشائك الغريب الذي تعيشه، وممتلكاً طاقة الحرية التي يفتقدها الكثير في عالمنا هذا، الذاهب نحو تخوم الحرب وتدمير الإنسان وما بناه من حضارات تتأرجح الآن بين الاحتلال والتخريب التام. ويتكرر رسم هذا الطفل ونظرته الساهية الوادعة، وكأن في نظراته هذه يحمل روح الاحتجاج والتمرد على الاستلاب الذي نعيشه.
تكاد أصوات الموسيقى الخفية، المنبعثة من حركات الشخوص ونظراتهم، وحوارهم التأملي مع ذواتهم، تخترق مسامع الرائي، وتجعله يتطلع بعمق في أعمالها ويذوب معها، وكأنها نوتات تخرج في لحظة صفاء وتأمل نادر، تضفي أجوائها الحسية الكثير من الأسئلة والإثارة.

بيبلوغرافيا
* ولدت العام 1975 في دمشق
* تخرجت من كلية الفنون الجميلة- دمشق 1998
* أقامت العديد من المعارض الجماعية والشخصية بعد تخرجها في سوريا والكويت والامارات وبريطانيا واسبانيا وألمانيا واستراليا وأميركا.
* حصلت على العديد من الجوائز الفنية في الامارات وقطر واسبانيا وأستراليا ولندن.
* مارست تدريس الفن في معهد أدهم اسماعيل للفنون التشكيلية في دمشق، وكانت عضواً في لجنة تحكيم المعرض السنوي للفنانين السوريين الذي أقامته وزارة الثقافة العام 2006.
* أصدرت خمسة كاتولوجات وكتب مصورة تحكي مسيرتها الفنية التي حققتها بمعارض شخصية دولية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة