حواضن الدعشنة

لم يكن أمر ظهور تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) مجرد حدث عابر أو غريب على هذه التضاريس المنكوبة، فجذور ما يمكن ان نطلق عليه بـ (الدعشنة) قديمة وتمتد الى أكثر من الف عام، عندما ولجت «خير امة» الى نفق سبات لم تتمكن من الخروج منه حتى يومنا هذا. ومن سوء حظ شعوب وقبائل وملل هذه المضارب المنحوسة، ان تتحول المصادفة الجيولوجية (الاحتياطات الهائلة من النفط والغاز) الى عامل اساس لتحويل هذا السبات الى سيل كاسح من الغيبوبة والهلوسات التي بسطت هيمنتها على الحشود من شتى الرطانات والبيارغ والازياء. هذا الطفح (الداعشي) المتعدد الوظائف والاشكال، والذي انتشر ببركة تقنيات ما بعد الحداثة، الى غير القليل من اصقاع هذا العالم الذي تحول الى قرية، جاء كنتيجة اساسية لنمط حياة مثقل بالتعفن والطفيلية والركود، وظل بعيداً عن هموم وحاجات عصره في مجال النشاط الاقتصادي والعلمي والمعرفي والقيمي. وما شعار المخلوقات الأشد تخلفاً في نيجيريا (بوكو حرام) الا تعبير واضح ودقيق لروح الدعشنة المحضة المتحررة من كل اكسسوارات الديماغوجية والتزويق.
ومن الاهمية بمكان الاشارة الى ان لحظة تحقق الفردوس المفقود (الخلافة) على التضاريس التي حولتها داعش الى دولة العراق والشام الاسلامية، لم يأت كنتيجة لمؤامرة امبريالية أو شيطانية، كما يروج البعض ممن يلومون القائمين عليها لاستعجالهم في الاعلان عن ذلك المشروع التاريخي العابر لزجر الزمان والمكان، بل جاءت كتطور طبيعي للاستثمار الهائل والواسع والمتعاظم في هذا المجال. وكل من يتابع تسلسل الاحداث منذ بداية القرن المنصرم، وحجم الامكانات والجهود المادية والمعنوية التي سخرت من أجل هذه (الردة الحضارية) والتي غرفت من جرف الحرب الباردة دفقات خيالية من الدعم والترويج؛ يدرك نوع الضغط المتنامي لامتلاك النسخة الحديثة لذلك السراب التاريخي بعد كل ذلك اليباب والهلوسة والهذيان.
لا يحتاج المرء الى كثير من الجهد والتمحيص، ليشخص حالة الجنون الجمعي والفردي الذي تعيشه مجتمعات «خير أمة» ببركة جهود بناتها وابنائها الذين اعادوا اكتشاف علوم اسلافهم الانسكلوبيدية والتي لم تنجُ من حفرياتهم الثاقبة لا طبقات الارض ولا أعمدة السماء. ان المعطيات الاولية للخراب المقبل لا يمكن ان تخفى على كل من ما زال يقبض على شيء من اكثر الاشياء مهددة بالانقراض لدينا (العقل والوجدان) فسيناريو الحروب الدينية والطائفية صارت قيد التنفيذ، بعد أن تصدعت آخر الدفاعات الحيوية أمام قوافل الدعشنة المتورمة في هذه الكرنفالات الدموية والتي يمكن ان تستمر لثلاثة عقود كما يرى خبراء الحروب الاهلية من بلاد العم سام..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة