الدكتور حيدر العبادي.. مع التحية

نصيحــة صادقــة

أ.د. قاسم حسين صالح *

تنطلق نصيحتنا هذه من حقيقتين،الأولى:ان الانتماء لحزب سياسي يلزم رجل الدولة الأول(رئيس مجلس الوزراء) بتوجيهات حزبه التي قد تتعارض مع طموحاته الشخصية وما يتطلبه الواقع من اجراءات تمس مصالح حزبه،والثانية:ان المجتمع العراقي يفضل،بل يريد ان يكون رئيس مجلس الوزراء مستقلا سياسياً.
لنبدأ بالحقيقة الأولى.
ينتمي الدكتور حيدر العبادي الى حزب الدعوة،ويتحمل شاء أم أبى، ما ارتكبه حزب الدعوة من سياسة غير حكيمة على مدى ثماني سنوات كان فيها امينه العام (السيد نوري المالكي) رئيساً للوزراء.ومع ان الرجل (المالكي) حاول في البدء ان يكون بمستوى رجل دولة الا انه وشركاءه وسيكولوجية العقل السياسي العراقي الذي تبرمج على انتاج الازمات جعلت من حكومته ،الأخيرة بنحو خاص، افشل وافسد حكومة في تاريخ العراق.فضلا عن حقيقة اخرى هي ان أي حزب سياسي تتغير اخلاقه حين يتسلم السلطة..بمعنى ان السلطة تفسد اخلاق الحزب وتضطره الى ان يتنصل عن مبادئه وما كان ينادي به زمن نضاله السلبي..خاصة في ظل الصراع السياسي العراقي الذي تحكمت به (البارنويا الطائفية)..ما اضطر الحزب (خوفاً ان يتغدى به خصومه)الى ان يعتمد مبدأ الثقة على حساب معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة ،فجاء بالاقارب واعضاء حزب ليسوا بمستوى المسؤولية وانتهازيين واسند اليهم مسؤوليات في ادارة الدولة ومؤسسات الحكومة..فكان ما كان من فساد اعترف به (المالكي)نفسه بقوله « لدينا ملفات فساد لو كشفناها لأنقلب عاليها سافلها»..فضلا عن سوء خدمات ولدت جزعاً لدى الناس،وكرهاً لحزب الدعوة،وخيبة آمال حتى لدى جماهير واسعة من الشيعة.
ومسألة أهم وأخطر،كيف يمكن للسيد العبادي الايفاء بما ورد في برنامجه الحكومي الذي الزمه بمكافحة الفساد وبين اعضاء حزب الدعوة من هو متهم بعمليات فساد كبرى؟.وبما انه لا حلّ حاسماً لمشكلة الفساد الا بتشكيل محكمة من قضاة مستقلين سياسياً تبدأ بمحاكمة من وصفتهم المرجعية الموقرة بـ(الحيتان)..فهل بامكان السيد العبادي القيام بذلك وهو ضمن تنظيم حزب الدعوة..بل هل الحزب نفسه يسمح له بذلك؟.واقع الحال سيجعله امام خيارين:اما ان يتمرّد على الحزب..فيكيد له وقد ينهيه،واما ان يأتمر بأمر الحزب ويسكت فيضعه الناس في الكفة الثانية الموازنة لكفة المالكي..وسيخيّب آمالهم كما خيّبها سلفه.
نخلص من هذه الحقيقة الى ان السيد العبادي،مهما فعل فان ثقة العراقيين به تبقى موضع شك ان بقي منتمياً لحزب الدعوة،وسيضخمّون أي خطأ او تقصير منه لأنه من حزب الدعوة..ويرونه لا يختلف عن سلفه (الفاشل) وأمين حزبه.
وهنا تحديداً،يعيش السيد العبادي حالة مأزقية..فأمين حزبه (المالكي)وقف بالضد منه يوم جرى ترشيحه لرئاسة الوزراء،ووصف العبادي بأنه يمثل نفسه..بل ان الأمر وصل الى (تجييش) حزب الدعوة ضد ترشيح العبادي..ولنا ان نتذكر تهديدات ما اطلق عليهن(حريم السلطان)..وقول احداهن :» ستكون شوارع بغداد دمايات ان ترشح احد غير المالكي».
والمأزق هنا له بعدان،الأول سيكولوجي..نلخّصه بأن السيد المالكي يرى أن صاحبه(العبادي) غدر به واطاح بطموحاته التي صورت له انه زعيم من نوع فريد،وانه يشعر بحيف او حقد ربما يولّد لديه دافع انتقام،لاسيما اذا نجح العبادي فيما فشل فيه هو. مقابل ذلك،ان العبادي نفسه يشعر بمخاوفه من المالكي،وان عليه ان يأخذ حذره منه سيما وان نجاحاته ورضا خصومه عنه تغيض المالكي ولا تسّره.والاشكالية هنا ان السيد المالكي هو امين حزب العبادي وان عليه ان يأتمر بأمره..فيما هو يريد تحقيق اجراءات تعارض رغبة المالكي..ابرزها ما قام به من اصلاحات في اخطر مؤسستين بالدولة،الدفاع والداخلية..وهذا هو البعد الثاني..الوظيفي
للمأزق.الذي اضطره الى ان يعتمد اجراء الآعفاء في تلك الاصلاحات وليس مبدأ العقاب والثواب..في رسالة تحمل معنى ضمنيا للمالكي بأنه (متفضل)عليه.
وما تعنيه هذه الحقيقة المركبة سيكولوجياً ووظيفياً هو ان بقاء السيد حيدر العبادي في حزب الدعوة يسبب له قلقاً ليس فقط من السيد المالكي ،بل ومن اعضاء آخرين فيه بينهم من يشعر بـ(النقمة )عليه.ولأن الجهاز العصبي للأنسان لا يتحمل قلقاً مستديماً..وانه يعمل على خفضه،فان السيد العبادي سيضطر الى مداراة هذا واسترضاء ذاك من اعضاء الحزب..وقد يقع فيما وقع فيه سلفه (المالكي) سيما وان اغراءات السلطة لا يمكن مقاومتها في الواقع العراقي..فيعمل على ان يزيح المالكي من امانة الحزب ليتولاها هو..لأنه لا يمكن ان يدوم الحال على هذا التضاد..اعني ان يكون العبادي رئيسا للوزراء وعضوا في حزب امينه..المالكي!..سيما بعد كشف فضيحة خمسين الف جندي وهمي(فضائي) في اربع فقط من مجموع عشر فرق عسكرية تسلم ،(المسؤولون المحسوبون على المالكي ومكتبه العسكري) مليارات الدولارات،وما سيتبعها من فضائح ما حصلت في تاريخ الحكومات العراقية.
والحقيقة الثانية نلخّصها بالتالي:
ينفرد المجتمع العراقي بتعدد مكوناته وتنوعها..قومياً ودينياً ومذهبياً .. فضلا عن تعدد احزابه واختلافاتها المتضادة من الاسلامية المتطرفة الى العلمانية والماركسية.ويثبت التاريخ السياسي للعراق ان الحزب الذي يتولى الحكم فيه ينفرد بالسلطة ويحتكر الثروة.وما فعله حزب الدعوة وامينه السيد نوري المالكي لا يختلف عما فعله حزب البعث وامينه صدام حسين من حيث احتكار الوظائف والثروة..بل ان حزب الدعوة احتكرهما ليس لطائفته بل لحزبه فيما احتكرها حزب البعث لافراد حزبه بغض النظر عن الطائفة والقومية.فتولد اليقين لدى العراقيين بأن رئيس الوزراء المنتمي لحزب معين،اياً كان هذا الحزب..سيعمل لصالح حزبه ولن ينجح في ان يكون عادلا وموضوعياً..لاسيما في عراق ما بعد التغيير القائم على المحاصصة الطائفية الممثلة باحزابها لا باشخاصها.ما يعني ان السيد العبادي مهما عمل من اجل الناس والوطن فانه لن يكون بمستطاعه ان يكون على مسافة واحدة من جميع مكونات المجتمع العراقي..ومهما فعل فانهم لن يصدّقوا ان تكون مسافته عن الشيعة هي نفسها عن السّنة في امور الحكم..مادام منتمياً لحزب يرونه ممثلا لطائفة معينة..وانهم يصدّقون فقط برئيس وزراء يكون مستقلا سياسياً..وله فقط سيمنحونه ثقتهم وتأييدهم.
وضحت النصيحة الآن..وخلاصتها،ان الوضع السياسي والاجتماعي والأمني المعقد والمخاطر التي يتعرض لها العراق..تحتاج رئيس وزراء مستقلا سياسياً..متحرراً من القيود الحزبية..بفكر منفتح يلتقط العبرة من ايجابيات وسلبيات سابقيه..بدءا من الحكمة التي تمتع بها فيصل الاول مروراً بحماقة صدام حسين وانتهاءا بأخطاء وخطايا نوري المالكي في ابتلاعه وحزبه السلطة والثروة.
ان الذي شجعنا على تقديم هذه النصيحة ان الدكتور العبادي حقق حضوراً عالمياً لافتاً في اقل من ثلاثة اشهر،وبث نوعاً من التفاؤل في نفوس العراقيين الذين وصلوا درجة اليأس من اصلاح الحال..برغم ان التغيير حصل في اداء الحكومة ولم يحصل بعد في حياة المواطن.ونصيحتنا لك ايها الأخ حيدر العبادي ان تخرج للناس بخطاب تعلن فيه انسحابك من حزب الدعوة..مشيداً بنضاله وتضحياته،مبرراً ذلك بما ورد في اعلاه بصياغة تجيدها.
انك ان فعلتها فستدخل التاريخ وسيدرك العراقيون ان اجراءك هذا هو من اجل ان يتوحّدوا فيكونوا هم حزبك وظهيرك،وستكون حديث الساعة في الفضائيات بدءا من سي أن أن و بي بي سي ،وانتهاءا باكثر من خمسين فضائية عراقية..تجمع كلها على انك وطني عراقي..شجاع وأصيل..فهل ستفعلها؟..نأمل ذلك.

* مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة