ديمقراطية الموز

من المُريب القول: علّنا نكشف (منطق) الفساد؟ بحيث تكون فعلة الإفساد ناتجة من عملية التفكير! وإذ نرتكبُ له (عقلا) يُمنطق له فعلته؛ فلن تسهل عملية اختراقه واستئصاله من المؤسسات؛ فقد أصبح – بذلك – عقل الفساد ندّا كفووءا لــعقل مُكافحته! فهل للفساد عقل؟
الفساد اليوم، آفة. والجميع يعمل لغرض قتل هذه المُصيبة. عملية الشد والجذب مستمرة لكن الفساد عمليا يستوي على سوقه على شكل «آفة حكومية»، وهو يستمد صلادته من كونه أحد منتجات «الفعل الشعبي» الذي يمارسها بطريقة جَبْريّة بسبب الضحالة العالية والاتساع للمستنقعات البيروقراطية التي لايمكن الخلاص منها إلا من خلال الرّشى!
تتعقد وتؤثر عاصفة الفساد اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا في أي بلد تضربه. والفساد السياسي، والمالي والإداري في العراق لا يقل إرهابه عن إرهاب البنادق وعصابات الذبح المحترفة؛ فنجده منذ 2003 إلى الآن مُقوّضا، ومُبطئا، ومُربكا لفواعل الإقلاع صوب النمو ديمقراطيا، واقتصاديا، وحكوميا. فهذه الآفة تستقر كنخر في الأسس التي تستند عليها كل خلطة الإنشاء وعمليات إعادة الإعمار المادية والروحية. وأهم ما يُلاحظ من آثار هذه الآفة انحراف «سيادة القانون» عن مقاصدها وتورّم مستنقعات بيروقراطية لا بقاء لها إلا من خلال الطرق المُلتوية.
بين الطائفي/ القبلي والدولة.. هذه العلاقة التي تستقيم عليها صورة العقد الاجتماعي الحزينة وهي تصنع تذكارها المؤلم مع «ديمقراطيتنا الناشئة».. الأمر الذي يفتح سؤالا بشأن المسافة المطلوبة للوصول إلى علاقة عقد اجتماعي بين المواطن والدولة؛ فإلى متى «يبقى الفساد ملح التنمية» ؟. غياب الرقابة، قوانين ضعيفة، تحَكُّم عناصر متنفذة .. تلك الجراثيم غير المرئية والفاعلة التي لاتراها العيون السحرية! لمنظمة الشفافية الدولية. هذه المنظمة التي تمثل ضميرا لمؤسسة العالمين المتقدم والنامي مازالت تصدر تقاريرها الموبخة للدول سنويا منذ تأسيسها عام 1993.
ومع ذلك مازال العراق يعاني من ضعف الشفافية في عمليات الإدارة المالية وانتشار القيم الإدارية والاجتماعية الحاضنة للفساد وهو بذلك قدم على قدم مع الصومال، وغينيا، الاستوائية… وهي الدول التي تتناقص فيها معدلات الشفافية وآثار محاربة الفساد وفقا للتقارير الدورية. وتحت ظلال عراق اللحظة الراهنة يمكن الاطمئنان على صحة الفساد. ونقول عنه: إنه قد أصبح راسخا في كثير من الزوايا حتى صار الحديث عن قصة رأس السمكة وذيلها من الموضوعات المملة والقديمة، ولاسيما بعد انفجار ملفات فساد وصفقات هدرت المال العام وصولا إلى عجز الميزانية الذي يُقدّّر بــ «41» ترليون دينار ونصف!!
ميثم الحربي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة