الأخبار العاجلة

أفكار ورؤى جديدة في معرض كريم رسن بدبي

كريم النجار

بعد أن انشغل طويلاً في تقليب فواجع تركتها الحروب والسنين العجاف التي وشمت الطبيعة والدروب والجدران، وتدوين آثار سخامها وكوارثها، منذ أن ابتليت بها بلاد السواد، وما زالت أخطارها كامنة في الساحات والمدن وعلى حياة البشر، حيث اشتغل الفنان كريم رسن لزمن طويل على صياغة هذا الأثر في أعماله الرسومية والنحتية والكرافيك، كأي منقب يبحث عن جذوة المعنى وسط صخب وفوضى الواقع المأساوي المعاش، وإنغماسه فيه إلى الحدود القصوى من البحث الذي أثمر عن أعمال فنية متنوعة، مشغولة على سطوح خشنة، حاملة أحجيتها ورموزها الموغلة في الموروث المحلي وفضاضة الواقع المتقلب، على شكل احفورات وخدوش وتعرية، لا تترك فراغاً في اللوحة إلا وشغلته، بصبغات ألوانه الكثيفة والداكنة أغلب الأحيان، برغم العمق والتناظر والأبعاد التي تكسر السطح التصويري، وتجعل منه حياة نابضة.
رسخت أعماله في أذهاننا صورة الحدث والمأساة التي كنا نعيشها بعبثيتها وسوداويتها، فهي ابنة ذاك الواقع ونتاجه الذي لم يبارحنا حتى اللحظة، مشتركاً مع الكثير من فناني جيله في التمعن بهذه الموضوعة بعيون نافذة تجاه الحدث الجلل، ورؤى تجاهد في صياغة الضد المختلف، وقد كرس لها عشرات المخطوطات والمدونات اللونية الرسومية، وآخرها مجموعة تخطيطاته بالحبر الصيني «من دفتر الحرب» بمباشرتها الصادمة وفعلها الفاضح، كفضيحة الجريمة والحرب والاحتلال والدمار.

خطوات في المهجر
يقدم الفنان كريم رسن المقيم حالياً في كندا، في هذا المعرض الذي يفتتح اليوم الاثنين على صالة غاليري (ميم) في دبي، تجربة جديدة، تحمل في طياتها روح الكشف والاستقصاء والموضوعة المغايرة، حيث الشفافية التعبيرية في اللون والتخطيط والتكنيك. يتناول في معرضه هذا، أسئلة وجودية وإشكالية عند الفنان المنتقل إلى بيئة وثقافة ومكان مختلف عما كان يعيشه، هذه الانتقالة وتلمس خطواته في شوارع المدن الآمنة الهانئة، النابضة بحيويتها الإنسانية والمشاهد اليومية غير الرتيبة، وإفراز الثقافات المتعددة والمتعايشة، والتجارب الحية المتواصلة مع آخر مستجدات الحداثة الفنية. كل هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات عملية عند فنان يحمل رؤى وتجربة راسخة، لكنها ابنة محليتها ومفرداتها اليومية المغايرة حتماً. لذا نراه هنا، ليس بصدد طي تجربته السابقة التي كرس لها عمراً غير هيّن من التجريب والبحث والخصوصية، بل هي باعتقادي، تواصل حميم مع مشروعه البحثي الجمالي، المديني، وإن جاء بأطر ومعالجات ومفردات ومواضيع مختلفة، ومنفتحة أكثر على الحياة. أو كما يفسره في تصديره لهذه الأعمال:» إن لوحاتي في هذا المعرض الذي سمّيتُه «خطوات في المهجر» هي خلاصة أفكار فنية ظهرت للوجود، وتمثلت على سطوح لوحاتي بشكلها الحاضر، بفعل العوامل المذكورة. وهي قد تأخذ في المستقبل منهجاً آخر وبأشكال مختلفة. إنها نتاج لخبرتي الذاتية ورؤيتي كرسام وهواجس أسئلتي الذاتية ومحاولاتي المتعلقة بالإجابة عنها».
وكما ذهب أغلب فناني جماعة (كوبرا) بعد أهوال الحرب العالمية الثانية، نحو إدانة الحرب والتمرد على مفرداتها العنيفة، في خلق عالمهم اللوني الخاص وكائناتهم الغريبة والممتعة في الوقت ذاته ونشر الأفكار الجديدة، المنغمسة في واقعها الافتراضي، وتأثرهم بالفنون الشعبية والبدائية، تأتي رسومات كريم رسن الجديدة، مكرسة (الفڰر) فعلاً أساسياً في بناء اللوحة أو التخطيط، ومن ثم تبدأ عناصر الجذب، إذ لا بد من دراما وحكاية ينسج من خلالها موضوعته، وغالباً ما تكون هذه الدراما من مشاهداته الحياتية التي تفرض وجودها عليه بقوة، ليتفرغ فيما بعد لتأثيث المكان وصناعة المشهد العياني أو المتخيل. ففي واحدة من لوحاته يظهر الشخص متماهياً مع لون الخلفية الصفراء المتداخلة بتدرجات الأحمر، أمامه المايكروفون وتحيط به الأضواء من كل جانب، وخلفه صندوق الموسيقى، وكأنه يغني ويستمع لصوته في مكان لا وجود للآخر معه، وكأنها هنا استعارة من فكرة (الأواني المستطرقة) أو الفراغ يحدّث نفسه. وهكذا يجعلنا مترقبين حذرين، ومنصتين بعناية لحركات شخوصه، التي لا تخلو أحياناً من الدعابة والغرابة في توليف المشهد. فحيناً نرى أثر أقدام الشخص على الأرض، وجسده عائم وأجزاء منه مندغمة مع فضاء اللوحة، التي تذهب مفرداتها نحو الاختزال كثيراً، حيث تغلب روحية (الغرافيكي) على بعض التفاصيل فيها.
هل فعلاً أثرت البيئة الجديدة التي يعيشها فناننا في الغرب، على طبيعة أفكاره ورؤاه. لا نغالي إذا قلنا نعم ولا، فهي جذبته من منطقة التجريد نحو التعبير الحر التأملي التصويري، والبذخ في استعمال اللون والتفاصيل الذهنية التي تشغل تفكيره، لكنها في الوقت ذاته أبقت على بعض مفرداته الأثيرة، المتمثلة بتوظيف الرموز والكتابة والأرقام وبقع اللون السود كفعل إمحاء وتراكم في بعض مشاهد خلفية اللوحة.

سيرة
*ولد كريم رسن في بغداد العام 1960
*تخرج من أكاديمية الفنون الجميلة – بغداد العام 1988
*أقام عشرة معارض شخصية في بغداد وعمان والمنامة وتورنتو ودبي.
*شارك في معارض جماعية منذ تخرجه في بغداد وبعض الدول العربية والأوروبية وكندا وأميركا.
*حصل على عدة جوائز فنية من بغداد ومصر وتونس.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة