سلطة الشعر في قصائد « الشمس لا تهبك نهاراً مرتين»*

هادي الحسيني

في مجموعته الشعرية الأولى “الشمس لا تهبك نهاراً مرتين” يؤشر الشاعر علي محسن منذ العنوان لمسته الشعرية الأولى وكأنها قصيدة متكاملة في الشكل والمعنى لِما فيها من تكثيف شعري عال وخيال واسع، فالعنوان وحده عبارة عن مدخل للحياة والموت ضمن قصائد المجموعة التي تمضي بنا إلى فضاءات وأجواء من يوميات البلاد والحبيبة والناس، كما إن عنوان المجموعة هو عنوان لواحدة من قصائد مجموعته الشعرية. ولعل بناء قصيدة النثر في تلك المجموعة يعتمد في الغالب على وحدة القصيدة وتداخلاتها ومفارقات اللحظة والتوهج، إذ تبدأ القصيدة أحياناً لدى الشاعر كما لو انها قصة قصيرة لكنها سرعان ما تدخل وبقوة في الشعر، حيث الصور التي تظهر تباعاً والمشاهد البارعة داخل القصيدة برمتها أضف إلى ذلك أن لغة الشاعر صافية سلسة تشعرك بحنين وحب للحياة يقابله قرف من الموت المجاني الذي عم البلاد.
الشعر الحديث عادة ما يدخل في السرد وبخاصة قصيدة النثر التي لا تلبث إلا أن تعبّر عن أنموذجها الشعري الفريد الذي تكمن قوته في صور تظهر بين الحين والحين الآخر، وكذلك المساحة الواسعة التي تجعل من الشاعر أن يتحرك أكثر معبراً عما يريد قوله داخل نصه، لوحات فنية بهيئة قصائد هي مضمون “ديوان “الشمس لا تهبك نهاراً مرتين”، والذي فيه وحدة القصيدة متكاملة بعيدة كل البعد عن التشتت والانفعالات التي عادة ما تظهر جلية في العديد من نصوص الشعراء، إذ تبتعد قصائده كلياً في هذا الديوان عن هذا المنحى الذي يؤزم النص الشعري ويجعله مادة مقرفة في أحايين كثيرة!
لم يترك الشاعر المواضيع المهمة والحساسة التي يعاني منها بلده العراق، إلا وتطرق إليها، فقد تحدث عن الحرب والغربة، وعن الحبيبة والناس وكل من حوله، حتى إن الإهداء في الكتاب جاء الى الانسان المعذب في كل زمان ومكان .
في ص 17 نقرأ :
“صافح كف الشمس
واشرب دفء حبيبة بين نهديها يمرُ الطوفان
هكذا ستزول عاهة غرقك في جمجمة الهذيان”.
يصّور الشاعر في المقطع أعلاه كيف يمسك بالشمس مصدر الدفء الأول ودفء الحبيبة وحنانها بين نهدين يمرُّ ويباغته الطوفان، هنا قد يعني الشاعر بالنهدين دجلة والفرات وفيضان الحرب التي تقبع ما بينهما الآن! ذلك إن السطر الثالث من المقطع ينفي تماماً التشبيه بالحبيبة، فالعاهة والغرق والجمجمة والهذيان كلها دلالة على الحرب والموت اليومي الذي يحدث في العراق تحديداً، لقد نجح الشاعر هنا بنحو مبهر في الدقة والتشخيص، وقد يكون يقصد غير ما ذهبت إليه! .. لا يهم ما دامت الصورة الشعرية مشعة وبقوة!
وفي مقطع آخر يقول ص 57:
“بين البكاء،
واللا بكاء
أقف عند حافة دمعة
تنتظر رفّة جفنٍ متعب
تنتظر حمل حقيبة رحيل الى النصف الآخر من الأرض
أعاقبني والوطن سواء”..
لعل البكاء والخوف من المستقبل المجهول في ظل الانفلات الأمني والسياسي داخل الوطن يعطي للشاعر الحق في التفكير وهو يقف بين دموع العيون وجفونها التي تهدبت ليقرر الرحيل عن الوطن المضرج بدماء أبنائه والمنهوب في وضح النهار! الرحيل إلى النصف الآخر من الكرة الأرضية والذي يعني أميركا أو استراليا أو كندا! وقد يكون هذا الرحيل عقوبة له وللوطن في الوقت ذاته، تشبيه جميل ناتج من عمق المأساة التي يرزح تحت وطأتها الانسان العراقي والمتمثل بشخص الشاعر.
طابع الحزن والحرب والحب والرحيل والموت والمناجاة والأمل والغربة والعزلة، كل تلك المسميات ثيمة قصائد ديوان علي محسن المعنون بـ”الشمس لا تهبك نهاراً مرتين”، والذي حمل بين صفحاته الـ( 86 ) قصائد تنوعت حسب نوع الفجيعة التي حلت في بلاد الشاعر ليعيش داخل وطنه منكسراً لا أمل لديه سوى الانصياع لحياة داخل وطن ضاق ذرعاً بأبنائه.
للشعر سلطته وهيمنته على الألم والخوف والحرب والموت وكل ما يمت لعذاب الإنسان بصلة، للشعر أيضاً الجمال والبهاء ورغبة الخروج من الواقع المرير، فالشاعر دائماً إنسان يخاصم الواقع ويطمح الى التغيير بكل شيء، الشعر له جوهره الواضح داخل الحياة وسموها. بواسطة سلطته نستطيع تغيير كل الأشياء الصعبة وهو الوحيد القادر على إذلالها وان كان عبر الحلم، فالطموح لا يتوقف والشعر كذلك مستمر بعطائه الذي لا ينضب.
ان تجربة الشاعر علي محسن في ديوانه الأول، هي تجربة جميلة بكل ما تحمله من حزن وحب، تجربة تشد الانتباه في معالجة موضوعاتها المهمة التي تحفر في الذاكرة العراقية المرهقة.
احتوت مجموعته على (67) قصيدة، تبدأ من “اشتهاء نصف فنجان آخر”، وتنتهي بقصيدة “للحزن أغنية”.

* “الشمس لا تهبك نهاراً مرتين”، صدر عن “دار صافي” للترجمة والنشر في الولايات المتحدة الأميركية بـ 86 صفحة من القطع المتوسط، تصميم لوحة الغلاف/ دار صافي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة