يمكننا الان ان نحلم بحكومة ارضية

سلام مكي *

لماذا تبدو حكومة السيد العبادي مختلفة عن سابقاتها برغم انهم من نتاج فكر واحد؟ فرئيس الوزراء الذي يقوم حاليا بعملية هدم غير مسبوقة لكتل الفساد الكونكريتية التي قطعت اوصال البلد الى مؤسسات فاسدة كان جزءا من المنظومة السياسية التي بنت تلك الجدران واسست لها بحيث اصبحت ظاهرة عامة. فلماذا لم يمسك معوله ويهدم الرؤوس التي كانت ضمن المتاح له؟ اذا علمنا ان رئيس الوزراء السابق، كان هو الماسك الفعلي للسلطة التنفيذية، والمشرف المباشر على الملف الامني خصوصاً وان حكومته طوال مدة ولايتها لم تشهد وجود وزراء للداخلية والدفاع، انما كانت تدار بالوكالة من قبل مكتبه، هذا يعني انه المسؤول المباشر عن أي خرق يحصل في هاتين الوزارتين، حتى الدفاع التي نصب لها وزيراً بالوكالة، يبقى من مسؤولية من نصبه وهو رئيس الوزراء. الوزير الذي نال ثقة البرلمان على اساس انه وزير للثقافة، استوزره رئيس الوزراء لمنصب ثان وهو الدفاع على اعتبار انه يملك خبرة امنية نتيجة لعمله وزيرا للدفاع في حكومة الجعفري الانتقالية. وبالتالي فلا يمكن للكتل السياسية ان تعترض فيما لو تمت محاسبته باعتبار انه وزيراً للدفاع ولكن ستعترض حتما عندما يحاسب بوصفه وزيرا للثقافة! لكننا وبرغم الخروقات الكبيرة التي حدثت في زمنه، لم نر القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء قد حاسب وزير دفاعه يوما! السيد العبادي ربما كان ساخطا على الوضع العام، لكنه لم يكن يدرك الحقيقة كاملة، الا بعد توليه المسؤولية كاملة، فبكونه رئيساً للوزراء والقوات المسلحة اتيح له الاطلاع على ملفات المنتسبين للوزارات الامنية خصوصاً الدفاع، ليكتشف بعملية بسيطة حسب تعبيره وجود اكثر من 50 الف منتسب وهمي ( فضائي) حسب تعبيره، كانوا يتسلمون رواتب ومكافآت تقدر بالملايين، كلها تذهب الى جهات معروفة. بالحقيقة ان السياسة التي يتبعها العبادي حاليا لم تكن متوقعة ابدا على اعتبار انه خرج من رحم السياسة السابقة ومؤيد لها وينتمي الى القائمة نفسها، لكنه اثبت خلال مدة وجيزة بأنه له سياسة مختلفة الى درجة كبيرة عن السياسة السابقة. السؤال الذي يطرح نفسه الان: ماذا لو لم يتولَّ العبادي الوزارة وتم تجديد رئاسة الحكومة للمالكي للمرة الثالثة؟ هل سيكتشف ايضا الكائنات الفضائية في الجيش؟ هل سيصرح بعد كم شهر من ولايته الثالثة بأنه اكتشف ان في جيشه جنوداً وهميين؟ ام ان الامر سيبقى طي الكتمان؟ لان هذا الموضوع فيه ادانة له على اعتبار انه المسؤول الاول عن تلك المؤسسة. ولا ادري لماذا لا يرد اسمه في الموضوع برغم مسؤوليته المباشرة عن هذا الفساد، فهو اما مقصر في عمله او متواطئ مع الفاسدين، وفي كلا الحالتين يعد مجرماً ويعاقب على وفق القانون العراقي. الاخبار الاولية تشير الى ان رئيس الوزراء شكل لجاناً تحقيقية للكشف عن المزيد من المتورطين في فضيحة الجنود الوهميين. مصدر خبري صرح لإحدى وسائل الاعلام، بأن مسؤولين متنفذين في الحكومة السابقة، متورطون في القضية. الخبر الذي نشرته صحيفة بغدادية يحمل نوعاً من الطرافة عندما نص: انّ التحقيقات الاولية مع الجنود الوهميين كشف تورّط رؤوس سياسية مُتنفذة!! لعل قارئا فسر الخبر على ان اللجنة التحقيقية قابلت الجنود الفضائيين وحققت معهم! لعلنا نسأل عن مصير المسؤولين السابقين، المتورطين: هل احيلوا الى القضاء؟ المصادر تشير الى ان اغلبها احيلت الى التقاعد! بينما قانون العقوبات العسكري الذي يطبق على العسكريين لا توجد فيه عقوبة الاحالة الى التقاعد ابدا! فبحسب هذا المنطق، يمكن لأي ضابط مستقبلا تكرار حالة الفساد هذه، لأنه متيقن من ان لا عقاب سيناله، سوى الاحالة على التقاعد! وسائل الاعلام بدورها، لم تعر اهمية لأي جانب من القضية سوى المبالغ التي خسرتها الدولة جراء هذه القضية، وهو جانب مهم طبعا، لكن ثمة جوانب اخرى، كان على وسائل الاعلام التركيز على مسألة لا تقل اهمية عن الجانب المالي، وهي مسألة عقاب المتورطين، حيث لم نسمع لليوم ان ضابطا ادخل التوقيف او ان القضاء اصدر امراً بإلقاء القبض على شخص متورط في القضية. لو كانت القضية تخص وزارة اخرى غير الدفاع، لقلنا ان المحاصصة وطبيعة النظام تمنع من محاسبة احد مهما ارتكب من جرم، ولكن: القضية تخص وزارة لم تخضع للمحاصصة او في الاقل بقيت متأرجحة بين المحاصصة والمزاج الشخصي، اضافة الى ان الاشخاص المتورطين في القضية قد لا يتبعون جهة سياسية ما، ولو حصل فإنهم يتبعون للجهة التي يصرخ اعضاؤها ليلاً ونهاراً بأنهم ضد الفساد والفاسدين. ولعلنا نتساءل مرة اخرى: اين دور ديوان الرقابة المالية؟ اين دور الادعاء العام؟ اين دور المفتش العام؟ اين دور النزاهة؟ هذه الجهات التي تكلف خزينة الدولة ملايين الدولارات شهرياً، لا لشيء الا لوظيفة معينة وهي المحافظة على المال العام من الهدر والفساد، وهذه القضية، تعني ان تلك الجهات لا تقوم بأي دور حقيقي تجاه حماية اموال البلد. ديوان الرقابة المالية، كما اتذكر بقي في دائرتي الصغيرة اكثر من 4 اشهر يبحث موظفوه وينقبون في ادق التفاصيل خصوصاً التي تخص الحسابات خوفاً من الفساد. سؤالي: هل ذهبوا الى وزارة الدفاع المؤسسة الكبيرة وبحثوا مثلما فعلوا في دائرتي ولم يعثروا على شيء؟ ام انهم لم يقتربوا منها ابداً؟ في كلتا الحالتين، هناك تقصير واهمال في عمل الديوان يستوجب احالة المسؤول الاول الى القضاء لتقصيره في متابعة اموال العراق. والا كيف يمكن لجريمة كبرى كهذه، كلفت البلد مئات الملايين من الدولارات ذهبت الى جيوب فئة ضيقة من الفاسدين والمنتفعين، في وقت يعاني البلد من ازمة مالية بسبب انخفاض اسعار النفط والحرب مع داعش. اين الادعاء العام، الجهاز الذي منحه قانونه صلاحية متابعة الاموال والامن والحفاظ على ارواح الناس ومنع الجرائم ومحاربتها قبل وقوعها؟ اين هو من هذه الجريمة الكبرى بحق العراق والعراقيين؟ نعم، علينا الا نكف عن الحلم بدولة ارضية بلا فضائيين، يزاحمون سكانها في ارزاقهم ووطنهم، خصوصاً بعد الخطوات التي اقدم عليها السيد رئيس الوزراء، الذي لولاه لما اكتشف هذا الامر. بالمناسبة، انه لم يقم بسوى الكشف عن الفساد لا اكثر، فهو لم يحاربه محاربة حقيقية، عبر معاقبة الفاسدين وتفعيل القانون، ففعله هذا يمثل كشفاً لا انشاءً، اذ ان عمليات الفساد التي تمارسها جهات متنفذة مكشوفة نوعاً ما ويعرفها العراقيون، ولكن لم يجرؤ سياسي رفيع المستوى على التصدي لها، وهو امر يحسب لصالحه.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة