انفلونزا العداء للشيوعية

كشف المعرض الأخير عن شهداء الوطن زمن النظام المباد، والذي اقيم في احدى قاعات مجلس النواب العراقي، عن ذهنية لا علاج لها في التعاطي مع قضية من وهب كل ما يملك من أجل كرامة وحقوق الوطن والناس. عقول وضمائر مصابة بداء انفلونزا العداء لشهداء أحد اقدم واعرق الأحزاب السياسية في هذه المستوطنة القديمة (الحزب الشيوعي العراقي) الذي تخصص في تقديم قوافل الشهداء طوال تاريخنا الحديث، وكل من ما زال يملك شيئاً من الانصاف والوجدان والاطلاع، يعرف من هو فهد (يوسف سلمان يوسف) مؤسس الحزب ورفيقيه حازم وصارم، الذين اعدموا عام 1949 لتعترف بهم الثورة لاحقاً؛ كشهداء للوطن والجمهورية. ولم يمر وقت طويل حتى دفع الحزب، اثقل الفواتير واقساها دفاعاً عن الحقوق التي تمت تصفيتها على يد زمرة (المنحرفون) بعد اغتيال مشروع الجمهورية الاولى عام 1963.
صحيح ان حال الحزب اليوم لا يمت بصلة لما كان عليه قبل عقود، الا ان مثل هذا السلوك المشين تجاه أفضل ما انجبته هذه الأرض من بنات وابناء كرسوا كل مواهبهم وحياتهم من أجل امتلاك (وطن حر وشعب سعيد) يعد فضيحة من العيار الثقيل، وتكشف عن ملامح الدعشنة التي حذرنا منها مراراً، والمتسترة بواجهات ما يطلق عليه حقبة العدالة الانتقالية.
ما نود ان نقوله لمثل هذه المخلوقات المسكونة بداء انفلونزا العداء للشيوعية وكل ما يتعلق بسلع البوكو (الحداثة)؛ ان هيمنتكم الحالية هي عابرة لا محالة، وكما قال السيد المسيح (أما الزبد فيذهب هباء وما ينفع الناس يمكث في الأرض) وكما زالت لتجارب العقائدية والشعبوية السابقة بسبب ركودها وثوابتها المتنافرة وحركة الحياة وتجلياتها اللانهائية، كذلك ستتبؤون مقاعدكم في نادي المنتسبين لتلك القوافل الغابرة.
لقد كلفتنا مثل هذه المناهج والعقليات الضيقة والمثقلة بالاحقاد والثارات الصدئة الكثير من الكوارث والمحن، لن تكون آخرها غزوة داعش في ثاني المدن العراقية وغيرها من المدن والقصبات المنكوبة. هذه العقلية القبلية والهمجية في التعاطي مع الآخر المختلف، هي الوجه الحقيقي لداعش ومن تجحفل معها بتخلف واجرام. وهذا ما تحررت منه الامم والمجتمعات التي وصلت لسن التكليف الحضاري، وهذا ما عكسته خطابات اعلى سلطة دينية في الغرب (البابا فرنسيس) عندما انتصر للانسان من دون تمييز على اساس العقيدة والايمان مؤكداً على ان رحمة الله لا تدركها عقول مسختها الكراهة والثارات.
ان العراقيين بامس الحاجة اليوم لثقافة التسامح والحوار، للتحرر مما انحدروا اليه من جنون جمعي وفردي، حول احلامهم المشروعة؛ الى سلسلة من الكوابيس الطويلة والمرشحة الى اطواراً لا تقل فتكاً عما حصل، ان لم تتنحى مثل هذه الذهنيات عن مقاليد امور الوطن والناس.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة