«أحلام كرتون»: حينما ينجح «الربان» بتغيير مسار «الركاب»

بغداد ـ الصباح الجديد:
«أحلام كرتون» أو طائرة ورقية، هو ما أفضت إليه المسرحية العراقية التي عرضت مؤخراً على خشبة مسرح هاني صنوبر «الرئيسي» بالمركز الثقافي الملكي، ضمن فعاليات مهرجان المسرح الأردني بدورته الحادية والعشرين.
المسرحية التي أخرجها كاظم النصار هذه المرة، ذهبت عبر السخرية السوداء مباشرة إلى الواقع الحالي في العراق بانقساماتنا الداخلية والخارجية وتناقضاتنا، بحسب ما يرى ناقدون.
واستهل العمل حكاية الرحيل أو الهرب لا فرق بين من يخاف وبين من يريد أن يحيا، لأنه ببساطة لا يريد أن يموت فيهرب من وطن دججه الموت.
الرحيل هذه المرة يكون من المطار وانطلاقا إلى «الطيارة» التي نكتشف بداخلها مختلف الانقسامات الطائفية المتواجدة بين ركابها وكأنها «أرض العراق»، ويتقاسمون على قيادة تلك البسيطة، كل هؤلاء لا يوجد ما يوحدهم ربما سوى «الهجرة».
يبدأ الكل من الآخر بمحاولة الحصول على بطاقة سفر عبر تبادل الحقائب والحصول على تذكرة «نجاة» من واقع أصبح مجهولا لعالم افتراضي «مجهول» أيضا بالنسبة إليهم.
وتتوالى الحكايات التي استمرت على مدار ساعة ونصف ومتخمة بالفكاهة السوداء من رجال الدين وأصحاب الفكر الليبرالي والعسكريين والكثير ممن لم يتفقوا واجتمعوا على الرحيل، وجميعهم يتهمون بعضهم بـ»الجبن» لأنهم يغادرون.
مواضيع كثيرة ومهمة طرحها العمل المسرحي «أحلام كرتون» ومنها ظاهرة رجال الدين الذي يغالون بطرق تفسيرهم للجهاد والنكاح وغيرها الكثير من الفتاوى وما ظهر على شاكلة «داعش» وقطع الرؤوس وغيرها من القضايا الواقعية.
وغالبا ما تخوض المسرحيات العراقية مباشرة واقعها عبر فضاء مسرحي يضبطه أداء الفنانين القوي والمشبع بحدة الطرح حتى إن كان ساخرا، فهو في حقيقية الأمر «مُبك» ومؤلم ينمي فيك الشعور بالقهر والظلم لمن يعيش تلك الحالات الواقعية.
وتتطرق المسرحية التي غصت بالفكاهة؛ حيث إن المتلقي نسي طعم الجرح قليلا ولم ينتبه للحزن، إلا بعدما خرج من القاعة، وتذكر أن ذلك كله متواجد في محيطه؛ لهؤلاء المهجرين والراحلين تلاحقهم الانقسامات حتى في السماء.
والخوف من اختطاف الطائرة والحديث عن حالة الطوارئ بالجو يعقبه أن الحالة ليست غريبة؛ إذ إن العراقي يعيش كل ساعة في حالة طوارئ من الحروب والأزمات.
المرأة وحريتها تمثلت بتلك الفنانة التي تحاول الهروب والسفر أيضا إلى مجهول، لأنها تجد اليوم أن صوتها وعملها كفنانة ليس مطلوبا بوطن أصبح القتل فيه على الهوية والمذهب.
الالتفاف على الواقع بسخرية لا يفضي سوى لفقدان الأمل الذي يجمعهم بالمحصلة في إطار ضيق بعد أن يفقد هؤلاء المهاجرون رحلتهم، وهو ما يظهر للمشاهد والجمهور أن الرحلة ألغيت.
إذن كل هذا الانقسام والحروب والسفر والاختطاف والقتل هنا؛ لا مفر فيها للجبناء الذين يموتون مستسلمين، ولا حتى الأقوياء الذين تقاسموا الأرض وهم ذاهبون حالمين بأن يتقاسموا «السماء» أيضا.
أداء الممثلين كان مميزا وعلى قدر من الإقناع الكافي للشخصية التي يعيشها الممثل، أسهم فيها المخرج بإضفاء سينوغرافيا بسيطة، ضمت قاعة مطار وكراسي المتأهبين للسفر؛ حيث ساعدت وخدمت الممثل في التعبير عن الأهداف من تفجيرات والوقوف على القاعدة وغيرها.
المسرحية الساخرة التي تذهب مباشرة نحو «الكباريه السياسي» متوقعة ولم تدهش كثيرين، لأننا شاهدنا كثيرا من الأعمال العراقية التي تصوّر الواقع الحالي للعراق؛ إلا أن الفكاهة الساخرة والفضاء العميق والأداء المميز للممثلين تعد نقطة تحسب للعمل العراقي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة