تركيا .. توقعات النمو الاقتصادي

اومير اراس
ترجمة ـ صادق باخان:

بات من الواضح بان تركيا قد نمت بصورة قوية على مدى الـ 12 سنة الماضية وباسثتناء العام 2009 وهو العام الذي شهد الازمة المالية العالمية فان معدل النمو ارتفع من واحد بالمئة الى تسعة بالمئة وبلغ متوسط النمو ستة بالمئة وهذا المعدل هو اعلى من معدلات النمو في الاقتصاديات المتقدمة وادني بقليل من معدل Brics، واذا ما ازلنا الصين من المعادلة فان درجة معدل النمو في كل من البرازيل وروسيا والهند خلال المدة نفسها كانت 5 بالمئة مع الاشارة بأن معدل نمو تركيا كان واحدا من افضل المعدلات من بين الاقتصاديات البارزة ومع ذلك فمن اجل التقدم فان تركيا تحتاج الى ان تغير انموذجها الانمائي لتحقق نموا اكثر احتمالا للبقاء وان القيمة المضافة للانتاج والنمو في اتجاه الصادرات هما الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك، فكيف يا ترى سنحقق هذا؟ كما نرى فان اثمن ميزة تتمتع بها تركيا هي سكانها الشباب وان تمكنت تركيا من تعليمهم بطريقة مؤثرة وفعالة فانها ستنجح في مرحلتها الانتقالية هذه لتحقق نمواً اقتصداياً اكثر احتمالا للبقاء مبنياً على انتاجية وابتكار عاليين وكما يبدو فان هذا الاصلاح البنيوي هو اهم تحد تواجهه تركيا.

مميزات أساسية وعوامل دافعة
واذ نتولى فحص النمو الموجود لتركيا فاننا نرى مميزات اساسية وعوامل دافعة له اذ من المعروف بأن تركيا بلد مستورد للطاقة تبلغ فاتورتها السنوية لاستيراد الطاقة نحو سبعة بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي فضلا عن ذلك فان معدل المدخرات منخفض اذ يبلغ 14 بالمئة وبهذا فان موقع تركيا يقع في اسفل بلدان منظمة OECD وكنتيجة لهاتين الميزتين فان عجز الموازنة الراهن مرتفع ولهذا يسعى صانعو القرار للبلد اتباع قاعدة 5-5-5 وهي قاعدة نمو خمسة بالمئة للناتج المحلي الاجمالي وخمسة بالمئة تضخم وخمسة بالمئة في عجز الموازنة الراهنة.
كما يوضح الشكلان 1 و2 في حين كان نمو تركيا بلغ مستوى رائعاً فان النمو السريع للدين والتضخم المرتفع يشيران الى ان هذا الانموذج للطلب المدفوع للنمو لم يعد ينجح بعد الان.
العجز في الموازنة الراهنة ونمو الناتح المحلي الاجمالي لترك محفزات النمو الاقتصادي التركي .
1. توقيت جيد، لقد عانت تركيا من ازمة مالية كبيرة في العام 2001 جربت بها نمواً سلبيا بلغ درجة بالمئة ومن انهيار في الصناعة المصرفية، وكما يقول المثل التركي (بلية واحدة اشد تأثيراً من الف كلمة) فان مدراء مصارف تركيا ومنظمي القوانين والسياسيين والرأي العام كلهم تعلموا دروساً مهمة من هذه الازمة وتولوا تنظيم الامور في بداية العقد الاخير فصار الانضباط المالي ومصرف مركزي مستقل بهدف مستقر للسعر الركيزتين الرئيستين لهذه الحقبة الجديدة, ونرى انه في حين كانت تركيا تتولى ترتيب بيتها فان التطورات الكبيرة في الاقتصاديات المتقدمة خلقت بيئة مرضية للاسواق المنبثقة ونرى بان معدلات الفائدة المتدهورة والسيولة الوافرة سمحتا لتركيا بأن تنقر على المال الدولي والاسواق الرئيسة بطريقة سهلة، وبهذا اقترض القطاع الخاص بصورة غزيرة وصار محرك النمو، وكان عجز الموازنة المرتفع يشكل ضعف هذا الانموذج للنمو.
2. الانضباط المالي، وخلال هذه المدة فان الاحتفاظ بالميزانية متوازنة قد منح الثقة للمقرضين الدوليين واستعملت الحكومة عائدات الخصخصة الماضية بغزارة لكن الخط الاسفل لعجز الموازنة قم تم السيطرة عليه بصورة جيدة، ومنذ العام 2002 فقد اجريت عدة انتخابات لكن الحكومة لم تلجأ الى (اقتصاديات انتخابات) كلاسيكية تؤدي الى خسارة الانضباط المالي وكان هذا نجاحاً كبيراً ودعم تدفق الدين الى البلاد.
3. الانضباط المالي، نلاحظ ان مظهراً مهماً للاستقرار السياسي لاساس النمو التركي على مدى الـ 12 سنة الماضية كان هو الانضباط المالي، وكنتيجة للقانون الصادر في العام 2001 الذي منح البنك المركزي التركي استقلالا في استعمال وسائل سياسته المالية والاقرار التالي لنظام استهداف التضخم فان التضخم هبط الى ارقام تحت العشرة وبقي في نطاق 5- 10 في السنوات الاخيرة.
4. قطاع مصرفي ممول بصورة جيدة، ففي اعقاب ازمة مالية كبيرة فان تركيا شددت القوانين في القطاع المصرفي اذ في حين ان المعيار الدولي لنسب كفاية رأس المال هو ثمانية بالمئة فان تركيا وضعت شرط كفايتها عند 12 بالمئة واضافة الى ذلك فان نسب المصارف التركية تظل اعلى من هذا المستوى، وكما في شهر حزيران من العام 2014 فان نسبة كفاية رأس المال للقطاع المصرفي التركي يبلغ 16 بالمئة وكانت هذه النسبة الصلبة مفيدة لاتقاء المخاطر التي بمقدورها بطريقة اخرى اعاقة استقرار اقتصادي وتنمية عن طريق ضمان ائتمان مستمر للاقتصاد، وفي الواقع فان القروض الاجمالية نمت بمعدل نمو سنوي مضاعف بـ 32 بالمئة على مدى المدة الممتدة من العام 2003 الى العام 2013 ولم ينكمش مخزون الائتمان خلال الازمة المالية العالمية.
5. الاستقرار السياسي، اصبح الاستقرار السياسي منذ العام 2002 ريحاً تالية مهمة لتركيا، وكان لوجود حكومة بحزب منفرد وهيئات متناسقة مفيداً بصورة فعالة في تحقيق نمو معتبر على مدى تلك المدة، ومن خلال الالتزام بالانضباط المالي والاستثمار ايضا في البنية التحتية العامة فان الحكومة بالحزب المنفرد مهدت الطريق لنمو القطاع الخاص.

استمرارية النمو التركي
مثلما مع جميع الاسواق المنبثقة فان تركيا باتت تلحق بهذه الاسواق محاولة ان تغلق الفجوة مع الاقتصاديات المتقدمة،ومن تحقيق ذلك فان تركيا تحتاج الى بنية تحتية في مجالات الطرق والسدود ومحطات الطاقة واستثمارات عقارية تجارية ومتاجر للتسوق وهلم جرا، وبناء على ذلك فان تركيا تبنت انموذجا للنمو على مدى العقد الاخير كان قائماً على تطوير مثل هذه المشاريع، ومع ذلك اذا ما نظرنا الى القياسات الكبرى فان العلاقة بين نمو الائتمان الراهن وبين نمو الناتج المحلي الاجمالي ليست قوية كما يجب أن تكون، صحيح فان نظام الائتمان بات ينمو لكننا لا نشهد نمواً قوياً للناتج المحلي الاجمالي، فهل نحن في نوع من الفخ؟، يجب ان نعرف من الاقتصاديات الاساسية ومن علم الاقتصاد – اذا كان الدين يرتفع اسرع من الدخل فان الوضع ليس مسانداً وداعماً.
كما هو معروف فان تراكم رأس المال يعد امراً جوهرياً في عملية التطور في الاقتصاديات المنبثقة وهذا المبدأ الاساسي للنمو الاقتصادي واضح في البيانات وحين نقارن معدلات النمو التاريخية لكل ناتج محلي اجمالي بين الولايات المتحدة الاميركية وبين خمسة اقتصاديات منبثقة مثل تركيا وكوريا الجنوبية والبرازيل والصين والهند فاننا نلاحظ بأن الاسواق المنبثقة تميل الى النمو اسرع من الولايات المتحدة التي تعد الاقتصاد المتقدم المتصدر للعالم، وخلال فترات الاضطرابات الاقتصادية والسياسية فان النمو قد يتباطأ مثلما حصل في مطلع سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في تركيا وفي البرازيل ومع ذلك ومثلما يكشف اداء النمو في تركيا في العام 2000 بعد ان ازيلت الحواجز امام النمو فان النمو يتسارع، وفي الواقع، كما هو واضح من النمو في الصين على مدى العشرين سنة الماضية فان التعجيل في التقدم الاقتصادي هو اعظم في بلدان اقل ازدهاراً، وبرغم ذلك فان تراكم رأس المال لا يروي القصة كلها وراء التلاقي بين البلدان الفقيرة والبلدان الغنية،وفي الواقع فان بعض البلدان الفقيرة للماضي مثل كوريا الجنوبية على نحو خاص كانت اكثر نجاحاً من الاخرى في اللحاق بالبلدان الغنية وهذا يوحي بأن هناك الكثير للنمو الاقتصادي اكثر من وجود تراكم رأس المال.

النمو والتعليم
يصبح نمو الدخل لكل شخص اكثر صعوبة كلما تتقدم عملية اللحاق بالبلدان المتقدمة ومثلما يرتفع دخل كل فرد فانه يصبح اكثر صعوبة للنمو باستثمارات راس المال، ففي الاقتصاديات المتقدمة فان القائد الرئيس للانتاجية هو الابتكار فنجد من الناحية التاريخية فان البلدان التي ابتكرت وانتجت اشياء جديدة فانها نمت بطريقة اسرع،من الخيول الى السيارات من المروحيات الى المحركات النفاثة من الفوانيس الى الترانزستور والى آخره من المبتكرات في عالم الكومبيوترات والانترنت والبريد الاكتروني التي وفرت الفرصة لهذه البلدان في تنمية صادراتها وتنمية اقتصادياتها.
هكذا فان التحدي الرئيس امام تركيا هو تحول نموها من عملية اللحاق الى نمو ذي اتجاه انتاجي فعال، بعبارة اخرى فان تركيا ينبغي ان تشجع الابتكار والانتاجية ويمكن ان يتحقق هذا الجانب فقط باقامة تعليم مؤثر يتمتع بنوعية عالية.
قد يجادل البعض انه اضافة الى التعليم فان حكم القانون والاستقرار السياسي هما ايضاًعاملان مهمان لتحقيق نمو اقتصادي سليم، ولا شك فيه فان هذا صحيح ولكن ان يصبح لديك نظام سياسي وشرعي فان التعليم النوعي مطلوب كشرط رئيس مسبق.
لتركيا اثمن مورد طبيعي يمكن لبلد ما ان يمتلكه وهو سكان الشباب، فاذا ما جهزنا شبابنا بتعليم نوعي فاننا سنحقق الاهداف التي طرحتها حكومتنا للعام 2023 وبعده، وينبغي ان نغير بطريقة جذرية ونتولى تثوير نظام التعليم وذلك لان نظام التعليم شديد المركزية ويعاني من سيطرة شديدة ومثل هذا الأنموذج مناقض للطبيعة البشرية.
تولى كين روبنسون تعريف عدد من المتطلبات للنظام التعليمي لتطوير الابداع والابتكار وبحسب اوصافه فاننا ينبغي اولا ان نقبل بأن البشر مختلفون طبيعيا ومتنوعون، فانظر الى اولادك فهل هم جميعا متساوون؟، وثانياً فان جميع البشر يمتلكون الفضول كجزء اساس من شخصيتهم اذ في كل فترة تاريخية فقد حاول البشر ان يتعلموا شتى الاشياء واخيرا فلكل البشر نوع معين من الابداع ولا يمكن عدً الابداع مجرد ميزة فنية اذ اننا جميعا نبتدع حيواتنا ومن ذلك فان بيان سيرتنا الذاتية دليل واقعي لهذه العملية من ابتداع الحياة، وامام هذه المزايا البشرية فان اقامة نظام التعليم يجب اقامته بحسب العرف ومن هنا فعلى المعلمين ان يرشدوا ويحفزوا تلامذتهم ويمكننا بهذه الطريقة تحقيق تعليم بنوعية عالية ينبغي ان يضع تأكيداً متساوياً على العلم والادب والدراسات الانسانية والفن والتربية البدنية، واضافة الى هذا فان التعليم يجب ان يعلم الناس كيفية التفكير وليس ماذا افكر، ومن اجل تحقيق هذا الجانب فيجب اولا ان نضع مفهوم اكتشاف قابليات الطلبة في مركز الاهتمام وبالتالي نبني النظام برمته حوله، ويكشف البحث العلمي بان لكل شخص قابليات معينة قد تمتد من الرياضيات الى الرقص ومن الادب الى الرسم ومن الفيزياء الى الغناء ومن التحدث الى التفكير وهكذا دواليك، والتحدي هو العثور على قدرات وامكانيات الفرد وبالتالي تسهيل تدفق مساهمته في المجتمع، من اجل ان نكون منافسين فيحب ان نولي اهمية متساوية لجميع هذه المواضيع ومن اجل ان ننمو بطريقة ناجحة فان تركيا تحتاج الى مهندسين واطباء ومؤلفي موسيقى ومغني الاوبرا ومحامين وممثلين وافراد من بقية المهن، وثانياً يجب ان نفهم بأن التعليم يتضمن اكثر من مجرد التخرج في الكلية اذ في عالم اليوم المتغير بسرعة فان التعلم المستمر هو مماثل ان لم يكن اكثر اهمية فيجب ان تكون لدينا انظمة لتدريب قوة عملنا بطريقة مؤثرة وكفوءة واخيراً ينبغي ان نستكشف جميع الاتجاهات الجديدة في التعليم امتداداً من التعليم الاساسي الى عكس الصف المدرسي الذي دعت اليه اكاديمية خان (وهذه الاكاديمية منظمة لا ربحية تتولى انتاج افلام فيديو حول شتى المواضيع). فقد اصبح التعليم ارخص وسهل المنال من ذي قبل ولهذا ومع الخيارات الصحيحة فان بوسعنا القيام بخطوات واسعة في تعليم الشبيبة والقوة العاملة خلال مدة قصيرة من الزمن.

دعم الحكومة
بالتأكيد ان الاصلاح الشفاف في التعليم ممكن فقط مع تخصيص ميزانية اكبر من قبل الحكومة واكثر من هذا الحديث فان دعم الحكومة ضروري ويحتاج اليه للقيام بالابحاث ونشاطات التطور جنباً الى جنب مع المزيد من الحوافز لاستثمارات تجارية.

النظر الى المستقبل
كيف سيبدو المستقبل؟ فالمتغيرات التي نخوض في تجربتها تتسارع في كل عقد زمني ولهذا فمن الصعب جداً التنبؤ بالمستقبل، وفي الواقع فان المهن المطلوبة اليوم هي مختلفة جداً عن تلك المهن المطلوبة قبل 20 سنة او حتى قبل 10 سنوات مع تغيير الافضليات التي يرغب بها الطلبة من ذوي التعليم العالي، واذا ما فحصنا وضع درجات الامتحانات في الجامعة فاننا نرى بأن الطلب للدرجات في القانون وعلم النفس والمعمار بات يزداد بسرعة عن الافضليات السابقة مثل المهن التجارية.
وبازاء هذه الخطوة السريعة في التغيير فان المبدأ الوحيد الذي ينبغي لنا ان نتبعه ان يكون لنا نظام للتعليم ان يجد الابداع في كل فرد ويمكن ان يتحقق هذا فقط مع نوع التعليم الذي سوف يهذب ويشذب كل مزايا الفرد، ومن ذلك فان التعليم ذا النوعية العالية المعزز للابتكار والانتاجية هو السبيل الوحيد لتحويل نمو اقتصادنا ليحقق نمواً باتجاه زيادة الصادرات كما انه السبيل الوحيد لجعل تركيا بلداً منافساً اقتصادياً وبلداً مستقراً يضمن حكم القانون، وينبغي ان ندرك بأن التوقيت حاسم في هذا التحدي واذا ما فاتتنا هذه الفرصة السانحة فان شبيبتنا لن تصبح الذخر التي لها القدرة الكامنة ان تكون عليه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة