أعياد الرّق

بمناسبة أيام إلغاء أشكال الرق المُعاصر تبدو المجتمعات وبرامج المكافحة كما لو أنها اتخذت من الحرية مجالا للذكرى وموضوعا مثيرا للدموع والأرشفة أكثر من الجدل، ولاسيما بعد أن تم جعل العبوديات هي الفوز الوحيد في الساحة.
وُيحدد هذا اليوم الدولي مظاهر الرق بالآتي: الاستغلال الجنسي، والزواج القسري، والتجنيد القسري للأطفال لاستخدامهم في النزاعات المسلحة، وبيع الزوجات، واسعباد المَدين، والقنانة والسخرة، والاتجار لغرض نزع الأعضاء، وأسوأ أشكال عمل الأطفال، ووراثة الأرامل.. وكلها تندرج في إطار جرائم وانتهاكات زاعقة لحقوق الأنسان. هذه المظاهر تتباين في الشدة والاتساع بين بلد وآخر ويمكن لأيّ مجتمع وحكومات انتخاب ما يناسب مقاسهما وما عليه الحال من بؤس وزراية وانحدار قيمي في حزمة التشريعات المحلية وهزال مؤسساتي. على الطرف الآخر من المفارقة مازالت الأمم المتحدة عبدة وأسيرة لقصة شفقتها وقلقها الشديد على الفئات الفقيرة التي تعاني الأمرّين تحت تهديد السلاح، وتفجّر الصراعات، والإرهاب، وشبكات المافيا. كما أنها تعلق الآمال بدم بارد على ما تسميه «أحزمة المجتمع المدني» التي تضطلع بدور بارز في مساعدة ضحايا تلك الدربكات.
وفي بلد مثل العراق أخذ نصيبه من العبودية، وامتهان كرامة الإنسان، وتمرّغ بأشكال رقه الخاصة مازال أمر الحريات وتوازياته من مفردات الديمقراطية، والمواطنة، والمجتمع المدني بعيدا عن قبضتي التمنّي، والمنال. لذلك لا يسعنا أمام من يتحدث عن وجود مجتمع مدني راهنا واضح المعالم سوى أنْ نحبس ابتسامة.
إن المجتمع العراقي اليوم يعيش أروع مآسيه ويباشرها كتقنيات يومية تحجب عنه ارتياد أي مغامرة ذهنية تتطلب منه الوعي بالاستلاب. فقد كفّت الثقافة العامة التي انتقلت من موت إلى موت عن صناعة لبّها الخاص الذي يمكنها بواسطته مواجهة مكائن أشكال الاستبداد الدينية، والسياسية أو تلك التي تتلبس بلبوس القوانين والتشريعات مرّة، وبالأعراف والتقاليد والآداب العامة مرّة أخرى. فقد تم انتزاع الثقافة العامة من وحدتها وأصبحت ممزقة بسبب تعدد نقاط الارتكاز الجهوية التي تلعب لعبة جرّ الحبال الكبرى فوق هاوية المكوّنات. وما لم تتم إجراءات مكافحة للرق الذي يعاصرنا خيالا وواقعا سيبقى اليوم الدولي لألغاء الرّق مناسبة لإعلان الشفقة والقلق في قلب التقويم من كل عام.
ميثم الحربي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة