تثمين تجربة رائدة

أنظر إلى عملية اقتناء إحدى لوحات الفنان محمود صبري (1927-2012)، والتي تمت أخيراً من قبل متحف خليجي للفن الحديث، بمبلغ (425) ألف دولار أميركي، بعد عرضها في مزاد سوذبيز، هي تأكيد على أهمية تجربة هذا الفنان والمنظّر ودوره الريادي والخلاق في الفن التشكيلي العراقي والعربي على حد سواء. محمود صبري، عضو «جماعة الرواد -1950 «، من أوائل الفنانين الذين هاجروا من العراق، في بدايات ستينيات القرن المنصرم. كان يسارياً، وشغل بعد إطاحة النظام الملكي وقيام الجمهورية الأولى العام 1958، موقعاً رسمياً شديد الغرابة بالنسبة الى فنان: مدير مصرف الرافدين! كان متخصصاً في العلوم الاجتماعية التي درسها في انجلترا، في حين كان الرسم اهتماماً واظب على تعلمه وإجادته بنحو ذاتي وتفرغ له. المكانة الريادية للفنان محمود صبري في المحترف التشكيلي العراقي، إلى جانب الفنانين فائق حسن، جواد سليم، شاكر حسن آل سعيد، تكمن بوصفه مؤسساً للوحة التي اتخذت الدلالة الاجتماعية والسياسية وفعل الالتزام في الفن موضوعة لها. كانت لوحتا «الشهيد» و»ثورة الجزائر» من اللوحات التي وثقت اتجاهاً مثل هذا في الإنتاج الفني. كتب عنه الروائي والناقد جبرا إبرهيم جبرا: «كانت معاناة الفنان أيامئذ سياسية في بعضها، ووجودية في بعضها الآخر، فجاءت معالجته للموضوعات الاجتماعية مليئة بالألم والاحتجاج والغضب، من دون أن يأبه كثيراً لقضايا الأسلوب والتراث التي كانت تشغل بال الفنانين الآخرين». كتب محمود صبري في رسالة له: «أستطيع أن أقول إنني وجدت الحل، إذ بالطريقة نفسها التي يقوم العلم فيها الآن بتحليل الطبيعة ووصفها في الأعماق، بعدما قام بتحليلها ووصفها من مظهرها الخارجي، فقد طورت طريقة يستطيع الفن فيها أن يقوم بوصف الطبيعة من الأعماق». بحثه ذاك كان يعني أطروحته النظرية التي سمّاها «واقعية الكم… فن جديد لعصر جديد»، عرّف بها في معرضه الشخصي الأول في براغ العام 1971، وهي المدينة التي أقام فيها بعد موسكو منذ العام 1964. أحد افتراضات النظرية تعلّق بسؤال اشكالي وسجالي، عدّ المنجز الجمالي الغربي منذ الإغريق حتى موندريان الذي لن يستطيع أحد الذهاب أبعد من حداثته، فناً بات في عداد الماضي، كونه ليس إلا خلاصة تعبيرية لحضارة زراعية، انهارت رؤيتها التقليدية للطبيعة عند نهايات القرن التاسع عشر. حتى الأساليب الطليعية وخصوصاً ما جاءت به التجريدية والاتجاهات اللاشكلية للفن الحديث، وصلت إلى طريق مسدود، ولم تعد قادرة على تمثيل عصر يشهد تحولات مغايرة أكثر علمية وتجريبية: عصر الذرّة والتفاعلات الجارية في المختبرات والتقانة التي أصبحت ترفدنا باحتياجاتنا المادية والجمالية والروحية على حد سواء. كان الفنان محمود صبري خاصاً في بعده وبعيداً قليلاً في خصوصيته الجمالية. كان هو ذلك المنظر الذي انشغل بهمّ وحيد: أن تكون لوحاته معنية بوقع أفكاره الصارمة.
سعد القصاب

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة