الأخبار العاجلة

إبراهيم رشيد

فنان بامتياز خاص، يرسم العالم وكأنه قريب منه أو يمسكه، أو ربما يفكر فيه بعمق. إبراهيم رشيد يخطط للوحة أو للفكرة، أو للمنحوتة، والاستغراق فيما تحمله من سيمياء أو سرائر أو شفرات واستعادات سحرية..
عرفته منذ سنوات طويلة، يقرأ بصمت وتفكّر، لايهمل أي شيء من حوله، يملك قدرة تخطيطية مدهشة، إذ يجعل من الورقة المدرسية، أو من السطح الكرافيكي مجالاً مفتوحاً لتجوال مخيلته، مثلما يجعل من هذه المخيلة حافزاً للبحث عن مجاورات أخرى للفكرة، وباعثاً لرؤية ما يفصح عنه وعيه الـ(شقي) بهذه الفكرة/ اللوحة/ الورقة..
كان حالماً بإفراط، يدسّ أصابعه في الطين والأفكار والسطوح، لايتردد عن المغامرة ما دامت توهبه الإحساس باللذة والكشف، وأحسبه الأكثر إحساساً بمسؤولية المثقف إزاء الوجود، والأفكار ذاتها، بوصفها تعبيراً عن الموقف والانتماء والحرية والمعنى، لذلك ظلت السلطة القديمة تطارده، وتذهب به الى أقصى عنفها، فهو عاش الحرب بوصفه ضحية للسلطة، اذ حاولت أن تمحو ذاكرته، وأن تجعله في المكان المضاد والمعادي..
شراهة الحياة عند إبراهيم رشيد كانت أقوى دائماً، في الخيارات، وفي صناعة الوعي، وفي صناعة المواقف، تلك التي تعمّق احساسه بانه صانع للجمال والمعرفة، وان الخذلان والصمت لايليق به..
حمل ذاكراته المجهضة واختار المهجر، ليس للذهاب بعيداً عن لحظته العراقية، أو حتى عن أسئلته التي يعيش لصقها، بل لكي يتخلص من هاجس المطاردة، وأن يضع الجسد أمام حريته، وأن يختار المساحة التي يعشقها، وهي الأكثر تمثيلاً لحركة وعيه، ولإحساسه بانه جزء من مغامرة المسافر في الأسئلة..
كان يرسم الوجوه وهي في لحظة وعي، أو شك، أو خوف..لاتوجد لديه وجوه (فلات)، إذ هو مسكون بهواجس التعبير عن هذا الوعي والشك والخوف بوصفهم جزءاً من محنة المثقف العراقي، وجزءاً من قلقه الوجودي والمعرفي.. كان يبحث عبر كل هذه المحنة عن وجه آخر للمكان العراقي المتورط دائماً بالقسوة والوحشة والعنف، وعن وجه آخر للإنسان الضحية، وباتجاه أن يكون الفن منقذاً، أو تكون سوانحه مجالاً لكي يرمم الانسان خرابه ويستعيد وعيه ولذته بالحرية، وأن يمارس حقه المدني في العيش والاحتواء المكاني، وفي ممارسة مسؤولية النقد، ومواجهة القبح والكراهية والعنف.
أدرك ابراهيم رشيد ومنذ وقت مبكر أهمية المكان، وضرورة أن يتحول إلى عمران بالمعنى الثقافي والإنساني، وبالمعنى الجمالي أيضاً، وهذا الإدراك يفترض وجود المساحات المتاحة، والتي يمكن إشغالها بالأفكار، وضبط علاقتها بالإنسان بوصفه المستثمر الأكبر للطبيعة والجمال والحرية والمعنى، لكن هذا الاستثمار ليس عشوائياً، إنه تشغيل للتاريخ أيضاً، ولإعادة فحص ومراجعة المكان ذاته، وحين أسهم إبراهيم في تصميم (الإناء الذهبي) السومري في المركز الثقافي البغدادي، فانه وجد في هذه الاستعادة لذته القديمة في تشغيل التاريخ والأسطورة، وفي إعادة تأهيل المكان لأن يكون جزءاً من الوعي بالحياة والعمران، وأن يكون الخطاب الثقافي البصري أو التكويني قوة دافعة لاستعادة الوجود، وللسيطرة على الأمكنة العشوائية التي يضج بها الواقع العراقي للأسف.
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة