الولاء لمن..؟

ما يجري على هذه التضاريس المنكوبة من احداث تراجيدية وغرائبية، تعكس حجم الضياع الذي تعيشه قطاعات واسعة من شعوب وقبائل وملل هذه المستوطنة القديمة. وما حالة التشظي والتشرذم الراهنة، الا نتاج للتجارب التي سحقت تحت عجلاتها بوصلة القيم الانسانية والعيش المشترك. في العصر الزيتوني نجحت تجارب عصبة (المنحرفون) في زرع وتأصيل حالة الخنوع الجمعي والفردي الى مستويات عجز عن تحقيقها وزير دعاية هتلر الشهير غوبلز، ليصلوا بخطتهم الطموحة الى ضفاف الغاية النهائية:
اذا قال ذلك الذي انتشل لاحقاً من جحره الاخير، قال العراق.
بعد ذلك شاهد العالم كله ما نضح عن تلك الوحدة القسرية وكرنفالاتها لسوق القطيع الى المسالخ الجاهزة. ان حالة التشرذم الحالية هي امتداد طبيعي لتلك المرحلة الكارثية من تاريخنا الحديث، وهذه العودة الى الولاءات المنقرضة (عشيرة، طائفة، عرق، ..) تعبر عن تلك الانهيارات والتصدعات العميقة التي لحقت بمشروع بناء دولة حديثة كبقية الشعوب والامم التي اكرمتها الاقدار بزعامات وتنظيمات نهضت بمهمة خدمة الشأن العام.
وها هي «الدولة» مرة اخرى تصبح نهباً لقوى وجماعات وعقائد بعيدة عن هموم الحياة في هذا الكوكب الذي حولته الولاءات الحداثوية الى قرية كونية، حيث بيارغ القرن السابع الهجري تستعرض قدراتها على حقول ومزارع السلطات الثلاث وذيلها الرابع، من دون اية مواجهة أو منافسة جدية. ان منبع كل هذه الهزائم السياسية والقيمية، يعود بالاساس الى الفشل والعجز عن بناء الدولة الحديثة، هذا المشروع المتنافر ونوع الاهتمامات والقيم والولاءات التي تشغل عقول زعامات المصادفة والتشرذم التاريخي الحاليين. لقد خسر العراق زعامات وملاكات وطنية كبيرة، كانت مسكونة بمشروع بناء الدولة الحديثة على تضاريس الوطن القديم، مثل جعفر ابو التمن ذلك الزعيم الوطني الذي رفض اغراءات التقهقر الى شرنقة الطوائف والاعراق، وبقي حتى رحيله رمزاً ومناضلاً من أجل اعادة ترميم الهوية الوطنية الجامعة، والتي فرط بها قراصنة المنعطفات التاريخية بعد سلسلة الاختبارات الشعبوية الخائبة.
ذلك المشروع اليتيم (الدولة الوطنية الحديثة) ازداد يتماً بعد مرور أكثر من عقد على ما يفترض انه تحول صوب الديمقراطية، بسبب من التنافر الموضوعي بين مهمات الانتقال هذه، ونوع القوى التي تلقفت الامانة التاريخية، فأمراء الطوائف والملل والاسر المحظوظة، يغذون السير صوب المزيد من التشرذم والتمترس، ومن يتابع تصريحات غير القليل من نجومهم الحاليين، يجدهم يزدادون صلافة في الكشف عن مآربهم الفتاكة وولاءاتهم العابرة لحدود ومصالح هذه المستوطنة اليتيمة، ولولا مغارات النفط والغاز وبقية المطمورات غير المكتشفة للرزق الريعي لتبرأت هذه القوافل العابرة عن كل ما يمت بصلة للرطانة الوطنية واسفرت عن ولاءاتها الحقيقية..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة