مقترح لخزن النبوغ وحفظ المشاعر

Transcendence

عبد السادة جبار

الاختلاف في الرأي – كما يقال – لا يفسد للود قضية، لكنه يفسد أشياء أخرى حين يتحول إلى رأي على محك العمل والتطبيق، والقضية تصبح أخطر حين يخص مصير العالم بأجمعه. فيلم “Transcendence تسامي” يحكي خلافاً علمياً مفترضاً بين العلماء أنفسهم، وهو ليس خلافاً سياسياً أو فكرياً، بل خلافاً علمياً يتعلق باستعمال تكنلوجيا متقدمة جداً تمكن الإنسان المعاصر من تعويض الخلايا التالفة بشكل سريع حيث لا يحصل أي عطب أو عطل في أي جسد حي أو غير حي ويسهم في خزن الذكريات والمشاعر أيضاً، المصور السينمائي الشهير الحائز على جائزة الأوسكار عن فيلم Inception والي بفيستير والمشهور بأعماله العديدة مع المبدع كريستوفر نولان “منتج الفيلم” يبدأ مسيرته الإخراجية عبر هذا الفيلم، ليشترك معه الممثل الشهير جوني ديب وريبيكا هيل والممثل الكبير موركان فيرمان، ليقدموا فيلماً بلغت تكاليفه 100مليون دولار، نحن أمام فيلم مختلف شكلاً ومضموناً عن جميع أفلام جوني ديب السابقة ولهذا وافق على الأجر المنخفض أي ربع أجره المعتاد ليقوم ببطولة هذا العمل الذي وجده كبيراً شكلاً ومضموناً، الفيلم يصنف على الخيال العلمي لكنه يستوعب المشاعر الإنسانية والمستقبل البشري والتاريخ أيضاً.

سيناريو الفيلم
يحكي الفيلم عن سعي د. ويل كاستر (جوني ديب) الباحث المعروف والمشهور بتجاربه في علم الذكاء الاصطناعي، إذ حصل على الشهرة الواسعة بسبب تجاربه الناجحة في تطوير برامج الذكاء الاصطناعي بما فيها المشاعر والعواطف البشرية، وهو الأمر الذي لم يصل إليه غيره وهو يتقدم باتجاه تجارب التعويض عبر برنامج ذكاء ذاتي لتعويض الخلايا التي تتعرض للتلف، إلا أن أعداء التقدم العلمي وأصحاب المصالح الذين تتأثر تجارتهم ووجودهم، يسعون لمحاربة هذا التقدم المذهل فيهاجمون المواقع المهمة لتلك التجارب ويتعرض كاستر إلى إطلاق نار، وتبدو الإصابة طفيفة لكنهم يكتشفون فيما بعد إنها رصاصة مشعة ولكن قبل أن يقضي يتعاون مع صديقه “ماكس” الممثل ( كينان مورفي ) وزوجته “ايفيلين ” الممثلة ( ريبيكا هيل ) التي تشتغل على المشروع نفسه لتحميل تجاربه وذاكرته ومشاعره قبل موته على جهاز الذكاء الاصطناعي وتحضير وعيه على شاشة ثم يرتبط الأمر عبر أجهزة مخفية بواسطة الأقمار الصناعية لتتحول إلى هاتفها الشخصي، يختلف ماكس مع ايفيلين بشأن طبيعة هذا البرنامج؛ لأنه لا يتوافق مع نهج الحكومة التي تدعم تلك التجارب ولكن تجربة كاستر بلا حدود ، ايفيلين ترفض التوقف مندفعة بسبب حبها لكاستر ومتأثرة به وتواجه مناهضة من الحكومة بمطاردتها عبر فرقة خاصة وتستمع إلى توجيهات دماغ كاستر بأن تهرب بالمشروع إلى منطقة نائية لتبنيه من أموال كاستر معتمدة على ألواح الطاقة الشمسية العملاقة، حيث يتواصل دماغ كاستر بتطوير تجاربه لفكرة التعويض السريع للخلايا المتهدمة، ومن ثم يعيد بناء خلاياه هو ويعود كجسد صناعي جديد ليحتوي دماغه الصناعي، وتتم مهاجمة المشروع الخطير، إلا انه يعوض التهديم للأجساد والمواد عبر مواد من التربة بشكل سريع، وتشكك ايفلين أخلاقياً بهذا السلوك العلمي ويضعف اهتمامها بمشروع كاستر خصوصاً بعد أن تستمع للدكتور جوزيف تاكر وراي صديقهم ماكس، لكن كاستر يكمل بناء جسده الاصطناعي ويواجه افيلين شكلاً ودماغاً، إلا أنها تطلب منه أن يتسامى عن هذا الأمر ليكون طبيعياً ثم يشتد الهجوم على المنظومة فيواجهها بسلاح التعويض حتى تصاب افيلين أيضا، غير إن الطاقة تنفد ولم يكن أمامه إلا خيارين إما إعادة الأمر إلى الطبيعي بتدمير المنظومة عبر فايروس البرنامج أو قتل صديقه ماكس، وينتهي الأمر بالخيار الأول ليموت كاستر وايفيلين متعانقين وتزهر حديقة بيتهما بأزهار عباد الشمس التي ذبلت منذ زمن.

المعالجة والنقد
تمكن والي بفيستير مستفيداً من خبرته أن يطرح فكرة تفصيلية جديدة من دون أن يتركها صريعة التعويم كما في أغلب أفلام الخيال العلمي، فقد صور لنا بدقة فكرة تحويل التفاعل العضوي وتحويله إلى تفاعل الكتروني داخل منظومة كمبيوترية تعتمد الإشارات في الاستجابة حيث أوصل الإقناع إلى حد بناء الخلايا التالفة من أصولها كما في مشهد شفاء الأعمى الى درجة أن احدهم يواجهه بالقول “انك تريد أن تبني إلها”، في الواقع السيناريو كان به حاجة إلى تكثيف وتفاصيل إضافية وزمن إضافي للفيلم وقدرات تشويقية إضافية ليحقق نجاحاً كبيراً، ولكن على الرغم من التمويل الكبير للفيلم، إلا انه لم يتماهى إنتاجياً مع قوة الفكرة العلمية، في العروض الأولى للفيلم واجه اختلافاً شديداً في التقييم من قبل النقاد، ولم تكن اغلب الآراء لصالحه، نجح الفيلم في تقديم موضوع خطير ومهم عن إمكانية حفظ تركيبة عقل الإنسان المميز بعد موته كبرنامج رقمي بحيث يمكن استعادته وعبر الانترنت، فيصبح كلي القدرة بما يحمله من أفكار ومشاعر وذكريات وصفات شخصية، وهنا الأمر يحاكي فكرة جلسات تحضير الأرواح ولكن بطريقة علمية وليس عبر الشعوذة، العلم هنا يفعل المعجزات بفعل كشف شفرة التكوين الدقيق للخلية الحية. بعض النقاد أشادوا بهذا الفيلم والمخرج حيث عبر البعض بالقول إن” المخرج مصور سينمائي محترف”… لذلك كانت الصورة متقنة إلى حد كبير بما تحمله من لمسات فنية وجودة عالية من النقاء تودي إلى خلق أجواء جمالية ممتعة بصرياً خصوصاً في المشاهد التي يعاد بها ترميم وإحياء ما دمر بسب القتال والمعارك الصغيرة التي حدثت ضمن سياق القصة أي إحياء الخلايا، إلا أن في الجانب الآخر يقف بعض النقاد بالضد فقد أورد أحد المواقع إن الأغلبية العظمى من مقالات النقاد لم تأتِ في صالحه، فمن بين 76 مقالة نشرت عن الفيلم عدّ 63 ناقداً أن العمل كان سيئاً، في مقابل 13 فقط لصالحه ويعتقد إن السبب في ذلك هو قصور في الفهم، من الناحية العلمية، خوسي كارمينا وميشال مهاربيز، عالمين من جامعة كاليفورنيا أعربا ان الفيلم يدلل على حماسة باحث في مختبر على وشك أن يتوصل إلى اكتشاف بالغ الأهمية، فناقشوا كثافة إشارات الدماغ، حدود التقنية النانوية، ومشكلة تحديد الوعي علمياً حيث ذكر مهاربيز: “راجعنا السيناريو السطر تلو الآخر، وبحثنا في المواضيع التقنية وناقشناها مع والي وفريقه، لم يسبق أن التقيت بأناس يقدمون هذه المسائل بهذا العمق، كما دافع جوني ديب عن فيلمه بالقول: لا يقوم هذا الفيلم على توجيه ضوء ليزر وقتل شخص ما، بل يتناول قصة بشر حقيقيين يواجهون أمراً كبيراً، لذلك يدفع هذا الفيلم المشاهد إلى التوقف قليلاً والتفكير”.

فيلم ” Transcendence”، تمثيل: جوني ديب، ريبكا هيل، موركان فيرمان
سيناريوو اخراج: والي بفيستير

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة