الأخبار العاجلة

«غير مغفور»…من راعي بقر الى ساموراي

بشار كاظم

اعتمدت السينما الأميركية في السنوات الأخيرة على الاقتباسات وعلى الريميك (إعادة تصوير أفلام منتجة سابقاً) أكثر من اعتمادها على النصوص الأصلية، وأن أحد أهم الأسباب لهذه العملية هو جانب تسويقي – تجاري يمارس من قبل شركات الإنتاج، تلبية لرغبة الكثير من المستهلكين الذين يحبذون مشاهدة حكايات يعرفونها مسبقاً بصورة وتقنيات حديثة على حساب نصوص جديدة قد لاتضمن لهم المتعة المنشودة. وقد وجدت شركات الانتاج ضالتها في أفلام خارج منظومة هوليود أيضاً، وكان أحد خياراتها المفضلة دائماً هي السينما الآسيوية وماتقدمه من أفكار جذابة قد يقف سوء التوزيع وحاجز اللغة حائلاً من دون انتشارها العالمي الذي يتمتع به الفيلم الأميركي الواسع التسويق. نجحت بعض تجارب إعادة صناعة الأفلام ونالت الاستحسان، ومن هذه التجارب إعادة المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي لفيلم “شؤون جهنمية” من هونغ كونغ. إن معظم هذا النوع من الأفلام كانت دون المستوى الفني المطلوب وبعيدة جداً عن طبيعة الأعمال الأصلية، وكان آخرها نسخة المخرج سبايك لي المشّوهة من الفيلم الكوري “الفتى العجوز”. وبدورها اعتمدت السينما الأسيوية أيضاً (وبصورة أقل في السنوات الأخيرة) على إعادة إنتاج أفلام أميركية على ضوء شهرة ونجاح تلك الأعمال، ومنها إعادة المخرج الكوري الأصل (لي سانغ – آل) لفيلم المخرج كلينت ايستوود “غير مغفور” المنتج عام 1992.
ينقل لي سانغ الفيلم من أجواء الغرب الأميركي إلى آخر فترات تاريخ اليابان القديم وبداية مايسمى “فترة ميجي” محافظاً على أغلب تفاصيل قصة الفيلم الأصلي، تدور الأحداث حول جوبي كاماتا ساموراي كبير السن يعيش كمزارع رفقة أبنائه الصغار، يزوره أحد أصدقائه القدامى ويخبره بوجود مكافأة مالية لمن يستطيع التخلص من رجلين اعتديا على مومس وقاما بتشويه وجهها، وبين الوعد الذي قطعه لزوجته المتوفاة بعدم رجوعه لحياته السابقة كساموراي يقتل من أجل المال، وإغراء المكافأة التي قد تمكنه وأولاده من تخطي صعوبة حياتهم الحالية. يقرر جوبي الالتحاق بصديقه ورفيقه القديم في رحلة محفوفة بالمخاطر، فكاماتا وصديقه كبار في السن لم يزاولوا مهنتهم منذ سنوات، يواجهون المأمور أويشي رجل القانون المتسم بالقوة والقسوة في سبيل المحافظة على قريته. هذا الصراع يكشف في جوهره لحظات قوة الانسان وضعفه إزاء الحياة ومتغيراتها.
شكل فيلم كلينت ايستوود آنذاك حالة خاصة ومميزة جعلته يحصد أربع جوائز أوسكار ضمنها فئة أفضل فيلم، حيث طرح العمل أفكار وهواجس ايستوود الكبير في السن حول صنف الويسترن الذي عرف من خلاله، وهذا يوضح ان العمل الأصلي تمحور حول ايستوود داخل الفيلم كصانع وايستوود ايقونة الويسترن الأميركية، والمؤكد إن فيلم لي سانغ فقد هذه الميزة التي اتسم بها العمل الأصلي. غير ان المخرج الكوري استثمر فكرة ايستوود في معالجة الصورة النمطية التي تخلقها السينما عند اشتغالها كوثيقة تاريخية. فشخصية الساموراي جوبي مثلما شخصية ايستوود في العمل الأصلي، شخصية تتعرض لهزائم وانكسارات داخلية تصل بها الى أعلى مراحل الخوف والذعر. إن الفيلم في هذه النقطة يعمل على أنسنة شخصيات في تاريخ الشعوب مثل رعاة البقر والساموراي، شخصيات مسخت الى ظواهر غير طبيعة من أجل تحقيق أهداف درامية تزيد من متعة المشاهدة، وهذه إحدى أهم الجوانب المضيئة في الخطاب السينمائي متمثلاً بالقدرة على تغيير مساراته السابقة والعمل على تحليل الهفوات. اما على الصعيد الصوري قد يلاحظ المتلقي تماثلات كبيرة مع فيلم ايستوود من ناحية التكوينات والفضاء الفلمي وأهمها مشاهد جوبي التطهيرية وسط أفق من الثلوج الممتدة، وغيرها الكثير من المشاهد التي قد تصل الى حد التطابق مع العمل الأصلي. فيلم سانغ لي لم يقدم تميزاً واضافة جديدة ملموسة على عمل كلينت ايستوود، غير أن إعادة الفيلم ضرورية كونه يمثل أداة في تفكيك بعض الصور النمطية التي قد تضر بأي صنـف فلمـي فـي سينمـا العالـم.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة