فتوحات عشائرية

برغم انف القوانين والتشريعات التي اصدرتها الجمهورية الاولى قبل أكثر من نصف قرن، والتي وضعت فيها حداً لشراهة الاقطاع والاعراف العشائرية المتخلفة، وبالضد من مسار عجلة التحولات الهائلة التي شهدتها البشرية في العقود الاخيرة من حياتها المترعة بالفتوحات العلمية والقيمية؛ استردت مومياءات العشائر والقبائل والطوائف شوكتها وفتنتها على تضاريس أقدم المستوطنات، بعد سلسلة من التجارب والخلطات الغرائبية، التي اجريت زمن «جمهورية الخوف» وولجت الى اطوار لا تقل فنكاً في عهد فرسان حقبة الفتح الديمقراطي المبين. كل من يتابع مجرى الاحداث ونوع الهموم والاهتمامات التي تشغل نجوم المشهد الراهن والكتل المتنفذة فيه، يندهش لحجم الاهتمام بهذه المؤسسة (العشيرة) التي انتهت صلاحيتها عند الامم والمجتمعات التي وصلت لسن التكليف الحضاري منذ زمن بعيد. في العاصمة الاتحادية بغداد تحولت المؤتمرات والكونفرنسات العشائرية ركناً اساسيا من ثوابت الحياة فيها، حيث تتسابق احزاب الاسلام السياسي من شتى البيارغ والرطانات على احياء هذه الطقوس والكرنفالات المبتكرة. أما عاصمة الاقليم (أربيل) فلم تتخلف عن مثل هذه النشاطات بعد ان انضمت القبائل والعشائر الى نادي منظمات المجتمع المدني.
في هذا الماراثون وكما هو الحال مع الولائم السابقة، لم يتخلف احد، حيث انبرى الجميع لاستعراض قدراته الابداعية في نشر وترسيخ المنظومة الآيديولوجية للعشائر الديمقراطية الجديدة، بوصفها رافعة التغيير والاصلاح المنشود في هذا الوطن المنكوب بالآهازيج الخاوية. احتفالات لا يتصدرها شيوخ العشائر بازيائهم التقليدية وحسب بل يتزاحم معهم شيوخ الاكاديميات والمعاهد العلمية والمؤسسات الثقافية والاعلامية بعد خلعهم للباس المدني وامتشاقهم لازياء البادية والريف، على العكس مما كان عليه الحال زمن تشكل الدولة العراقية الحديثة بداية القرن المنصرم، عندما كان شيوخ القبائل الفعليون، يلبسون الازياء المدنية الحديثة عند تواجدهم في بغداد التي كانت منارة للتطلعات الحداثوية آنذاك لتصبح اليوم بفعل الغزوات الاخيرة أكبر عاصمة مطلوبة عشائرياً في هذا العالم الذي تحول الى قرية بعد انقراض مؤسسات ما قبل الدولة الحديثة.
مع مثل هذه الهرولات المولعة بمآثر الاسلاف، وهذه القوى والجماعات المتشبثة بمؤسسات القرون الوسطى، لا يمكن انتظار نهاية قريبة لمحنتنا الراهنة بنزاعاتها المتخلفة وفواتيرها وثاراتها الصدئة، خاصة مع التشريعات المرتقبة لتحويل هذه النشاطات الواعدة (المؤتمرات العشائرية واطاريحها المعرفية) الى واقع قانوني ودستوري يستند الى شبكة واسعة من المؤسسات الرسمية والشعبية. هذه هي الفتوحات التي دعت داعش ومن تجحفل معها بارهاب وهمجية واجرام كي تختار مستوطنتنا القديمة كملاذ لتحويل آخر انواع الهلوسات (الخلافة) الى واقع تعجز استوديوهات هوليود عن رسم سيناريوهاته السحرية..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة