ماذا بعد حكم اعدام احمد العلواني؟

سلام مكي *

اثار قرار المحكمة الجنائية القاضي بإعدام النائب السابق عن الانبار احمد العلواني جدلا كبيرا بين الاوساط السياسية والاجتماعية، فالبعض اكد على ان توقيت القرار غير صحيح، وكذلك الكتلة التي ينتمي اليها العلواني انتقدت التوقيت، في حين جهات اخرى ابدت تأييدها للحكم على اعتبار ان المدان قد ارتكب جريمة قتل مشهودة والمجنى عليه هو احد منتسبي الاجهزة الامنية وعليه فإن القرار صحيح. عشيرة المدان والتي يقال انها تقاتل داعش مع القوات الامنية هددت وعلى لسان شيخها بأن نصف مقاتلي عشيرته سينسحبون من القتال ضد داعش فيما اذا تم تنفيذ حكم الاعدام، مطالبين بتأجيله لما بعد انتهاء الحرب. كتلة العلواني واياد علاوي استنكرتا القرار وعدتاه استهدافا سياسيا لرموز المكون الذي ينتمي اليه المدان، وقالتا بأن القضاء لم يأخذ بنظر الاعتبار الموقف البطولي لرجال عشيرة العلواني ولا الشهداء الذين سقطوا في المعارك مع داعش! وقالا في بيان مشترك: ان الحكم «يراد به اضعاف الحماس الشعبي للعرب السنة في مقاتلة داعش ولإنهاء بقايا الثقة بين جمهورنا والعملية السياسية ولدق اسفين في العلاقة بيننا وبين الشركاء .. واننا نهيب بعشائرنا الباسلة ان لا تنجر لهذا المخطط المدروس وان تبقى اعينها صوب مقاتلة تنظيم داعش وان تبقى اصابعها على زناد اسلحتها» . واضافتا ان «قرار الاعدام بحق العلواني هو جزء من مخطط لئيم ما يزال يجري على الارض في محافظات ديالى وبغداد وصلاح الدين وغيرها يتمثل في عملية تغيير ديموغرافي بطبيعة طائفية من خلال اعمال القتل والخطف والابتزاز المالي والتهجير والاستيلاء على الممتلكات من قبل المليشيات تحت شعار مواجهة داعش» . من خلال قراءتنا لهذه التصريحات نجد ان ممثلي الطائفة السنية كما يرغبون هم بهذه التسمية وعشيرة المدان، اتفقوا على وضع القانون تحت اقدامهم، فالمتابع يتصور ان السلطة القضائية هي مكتب تابع لما تسميها تلك القوى بالميليشيات الطائفية التي تقتل ابناء طائفتهم، وليس مؤسسة رسمية مستقلة عن بقية السلطات تمارس عملها بعيدا عن اي تدخلات، ولو افترضنا ان هناك ضغوطات مورست على القضاء، فهذا لا يعني اننا نهين تلك المؤسسة بهذا الشكل الفج! والا ما معنى ان نستنكر ان يكون قرار المحكمة بهذا الوقت بالذات؟ الا يوجد من يفهم في القانون منهم ليقول بأن اكمال المحكمة لتحقيقاتها في القضية المرفوعة امامها ووصولها لقناعة بأن لم يبق شيء ليقال في القضية من شهود ومحاضر كشف ودلالة وانتداب وكيل الدفاع والخصوم وافادة المدعي العام، وغيرها من الاجراءات التي تتخذها المحكمة قبل النطق بالحكم. فلو انتهت المحكمة من كل هذه الاجراءات، في هذا الوقت بالذات، ويجب عليها قانونا ان تحسم القضية، فهل عليها اكراماً لشهيد او جريح ان توقف الا تحسم القضية لمجرد ان هذا الشهيد هو من عشيرة المتهم؟ هل يعقل ان قاضياً يوقف اجراءات المحكمة لأن عشيرة المتهم تقاتل داعش مع الجيش العراقي؟ وان اصداره للحكم قد يؤدي الى انسحاب تلك العشيرة من المعركة، فتخسر الدولة قوة كان يمكن ان تساعدها في القضاء على داعش؟ هل يريد السياسيون الذين اصدروا هذا البيان بأن تفكر هيئة المحكمة بهذه الطريقة؟ ان المحكمة لم تصدر قرارها هذا في اسبوع او شهر، وانما اتخذته بعد مضيء 11 شهراً على الاعتقال، وهذه المدة الطويلة كانت كافية لأن تتولد لدى المحكمة قناعة بأن المتهم هو مذنب ويستحق العقوبة التي قررت له. ثم ان الجريمة التي اعتقل العلواني من اجلها كما قلنا كانت جريمة مشهودة وبوجود عشرات الشهود الذين شاهدوه وهو يقتل او يتسبب بقتل منتسب في الاجهزة الامنية لا ذنب له سوى انه يؤدي واجبه في تطبيق القانون. المشكلة ان هذا الضحية لم يذكره احد، وكأنه ليس بشراً وتم قتله ويجب الاقتصاص من القتلة. فأحد المواقع الالكترونية ذكرت ان سبب اعتقال العلواني هو مهاجمة القوات الامنية لمنزله، مما ادى الى مقتل 5 من افراد حمايته اضافة الى شقيقه بعد الاشتباك مع القوة المهاجمة!! وكأن لا جريمة ارتكبها العلواني هنا، ولا وجود لضحية من جانب القوات الامنية! المعلوم ان ذهاب القوة الامنية الى منزل العلواني لم تكن لأجله وانما لأجل اخيه المتهم بارتكاب عمليات ارهابية، ولكن العلواني تصدى لهم مما ادى الى استشهاد احد العناصر المهاجمة. السؤال هنا: اليس المدان هنا قد ارتكب جريمة فعلا؟ الا يستحق المحاكمة عليها؟ هل ان محاربة عشيرته وشعارات المصالحة الوطنية وعدم استهداف رموز السنة وكسب ودهم ونيل ثقتهم، هل يمكننا عدّ هذه المصطلحات الفضفاضة بديلا عن تطبيق القانون؟ الا يقول الدستور والشرع بأن القانون يطبق على الجميع بغض النظر عن انتماء الجاني؟ فلماذا علينا ان نتغاضى عن تطبيق القانون لأجل عيون الشعارات؟ وبالعودة الى ما جاء في البيان من قولها ان قرار اعدام العلواني هو جزء من مخطط لئيم يتمثل في عملية تغيير ديموغرافي بطبيعة طائفية!! هل يعقل ان يصدر كلام مثل هذا من اشخاص كل واحد منهم يمثل 10 آلاف مواطن عراقي؟ هل يريدون من جمهورهم ان يصدق بأن قرار اعدام لنائب سابق في البرلمان العراقي هو لتغيير في ديموغرافية السكان في محافظاتهم لدواع طائفية؟ هل ستميل كفة التعداد لصالح طائفة على حساب اخرى لمجرد ان حكم شخص بالإعدام؟ ان وصف قرار قضائي صادر من هيئة قضائية تضم مجموعة من القضاة بأنه جزء من مخطط لئيم!! هو الجريمة بعينها، فجمهور هذه الكتلة عندما تسمع هذه العبارات المسيئة بحق القضاء سوف لن تحترم هذه المؤسسة بعد الان، فكان على السياسي ان يبادر هو اولا لاحترام القضاء وان يعترض على احكامه بالطرق القانونية وليس بشتم القضاء في وسائل الاعلام. بالنسبة لعشيرة المدان: البو علوان. هل يعقل انها ستتخلى عن مهامها الوطنية والاخلاقية بالدفاع عن مدنها ووطنها ضد داعش الارهابية التي لو احتلت مدنها فسوف تفعل بها ما فعلته نفسها مع عشيرة البو نمر التي قتلت المئات من ابنائها لموقفهم الرافض لها. هل يعقل انها ستتخلى عن مواجهة اشرس عدو واجهه العراق، وتسمح له بالتمدد لقتل اخوانهم من العشائر الاخرى في الانبار، لمجرد ان فردا منها حكم بالإعدام لقتله شخصاً بريئا؟ ان التضحيات التي قدمتها عشيرة البو علوان هي محل تقدير واحترام من قبل جميع العراقيين وانهم كغيرهم من العشائر العربية التي رفضت ان تكون اداة بيد داعش الارهابية، فلا يمكن ان تساوم على موقفها الوطني مقابل فرد منها ادانه القضاء في جريمة قتل. ومع ذلك، فإن القرار ليس باتا، حيث انه سيميز تلقائيا، ولا يستبعد ان يطعن به عن طريق اعادة المحاكمة، ولا نعلم فقد ينقض القرار. فهل عندها سيكون القضاء عادلا؟

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة